على مدى الأشهر الماضية، بات من اللافت أن تتصدر أخبار تطوير الخدمات الحكومية المشهد اليومي، كإشارة على وتيرة العمل المتسارعة التي تشهدها المؤسسات الحكومية، فلا تكاد تمر أيام إلا وتعلن جهة حكومية عن إطلاق خدمة جديدة، أو تحديث خدمة قائمة، أو اختصار إجراءات كانت تستغرق وقتاً وجهداً. اليوم؛ لم تعد هذه الجهود مجرد مشاريع للتحول الرقمي، بل واقعاً ينعكس على حياة الناس، حيث أنجزت البحرين نقلة نوعية جعلت معظم الخدمات الحكومية وخدمات القطاع الخاص، متاحة عبر الهاتف، لتنتهي معاملات كانت تستلزم زيارة أكثر من جهة والانتظار لساعات، خلال دقائق.
ما يلفت الانتباه أن التطوير لم يعد مشروعاً أو مبادرة، وإنما ثقافة عمل تتبناها مؤسسات الدولة، تقوم على المراجعة المستمرة، وقياس تجربة المستفيد، والبحث عن وسائل تجعل الخدمة أكثر سهولة وسرعة وكفاءة.
ولعل مؤتمر البحرين للمدن الذكية 2026، الذي أقيم الأسبوع الماضي، جسد هذه الرؤية بصورة عملية، فقد عكس المؤتمر مرحلة
جديدة من التفكير في مستقبل المدن والخدمات الحكومية، حيث أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات أدوات رئيسية في صناعة القرار وتحسين جودة الحياة، وليس مجرد وسائل تقنية مساندة.
ومن خلال الاطلاع على ما تداولته جلسات المؤتمر، ترسخ لدي انطباع بأن البحرين تجاوزت مرحلة السؤال عن أهمية التحول الرقمي، وأصبحت تناقش السؤال الأهم؛ كيف يمكن للتكنولوجيا أن تجعل حياة الناس أفضل؟ وكيف يمكن للخدمة الحكومية أن تصبح أكثر استباقية، فتصل للمستفيد قبل أن يبحث عنها، وتنجز معاملته بأقل وقت وجهد.
هذا هو التحول الحقيقي الذي نعيشه في البحرين اليوم، فالحكومة الذكية أصبح تعني إعادة تصميم الخدمة بالكامل انطلاقاً من احتياجات الإنسان، وليس تحويل المعاملة الورقية إلى إلكترونية، لأن النجاح الحقيقي يقاس بمدى شعور المواطن والمقيم بأن الوقت المهدر في الإجراءات أصبح وقتاً يمكن استثماره في حياته وعمله.
وأرى أن الوصول إلى هذه المرحلة جاء نتيجة رؤية وطنية استثمرت مبكراً في البنية التحتية الرقمية، وراهنت على الابتكار، وعملت على بناء منظومة قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في التكنولوجيا، مع الحفاظ على جودة الخدمات وكفاءة الأداء.
أما التحدي الأكبر مستقبلاً فهو الانتقال من مرحلة الخدمة الرقمية إلى مرحلة الخدمة الذكية، حيث تتكامل البيانات، وتتنبأ الأنظمة باحتياجات المستفيدين، وتصبح الخدمات أكثر تخصيصاً، وأكثر سرعة، وأكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات المستقبل، هذه هي المعادلة التي تشكل جوهر الرؤية التي حملها مؤتمر البحرين للمدن الذكية، ورسالة مفادها أن الاستثمار في التكنولوجيا ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لبناء حكومة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر جودة في الحياة.