بعض دول المنطقة تضع المفاضلة بين خطر إيران، وخطر إسرائيل مقياساً ومحدداً لمواقفهم تجاه إيران، ونظراً لقناعتهم بأن إسرائيل أكثر خطراً عليهم، فإن عليهم مهادنة الخطر الإيراني الآن.
في حين أن من يهاجمهم الآن هي إيران هجوماً واقعاً وليس افتراضاً!!هذا المقال ليس للتقليل من الخطر الإسرائيلي، ولا هذا المقال جاهل بالمحاولات الإسرائيلية لجر دول المنطقة إلى حرب بإقحامهم فيها دون أخذ مشورتهم، من أجل استنزافهم مادياً وعسكرياً وضرب عصفورين بحجر.
كل هذه الحقائق معلومة، والحمد لله أن دول المنطقة كانت على درجة من الوعي وضبط النفس بحيث أحبطت هذا المخطط الإسرائيلي، ونجت منه.
إنما كل ذلك لا يقلل من خطر إيران الحالي، وهو خطر يحصل الآن، ويبث على الهواء مباشرة لا على منطقتنا فحسب، بل على العالم كله، ويستدعي أن يكون لدول المنطقة بما فيها الأردن وسوريا ولبنان موقف واحد وسياسة واستراتيجية واحدة نفاوض بها، ونقاتل إن استدعى الأمر بها، وهذا آخر الحلول التي لا نتمناها أبداً.
خطر إسرائيل احتمال وارد فعلاً، إنما خطر إيران قائم الآن، واختلاف مرئيات دول المنطقة حوله أكبر نقاط ضعفها، وهو في ذات الوقت أكبر نقاط إيران قوة، فكيف منحناها هذا الامتياز؟
أيعقل أن يكون ذلك لمجرد الاعتراض على بعض سياسات إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية؟نعم ذلك خطأ كبير يستدعي أن يكون لدول المنطقة وقفة، إنما ليس الآن، وليس الآن هو المحك والامتحان الحاضر، وانتقاء هذا التوقيت هو ضياع للفرصة التي لن تتكرر، والشاطر من يقتنص الفرص، ذلك أبدى من تلقين الولايات المتحدة الأمريكية درساً بأن لا تتخطانا مرة أخرى.
هل المطلوب الانخراط بقتال وضربات عسكرية ضد إيران، لا ليس هذا هو الطريق الوحيد الذي نتخلص به من الخطر الإيراني الآن، ولمن يسأل هل تريدون توريطنا بحرب جديدة تستنزف مقدراتنا؟ طبعاً لا، نحن لم نفعلها والصواريخ الإيرانية تتساقط علينا، فهل ندعو لها الآن؟ (وللمفارقة العودة للحرب هي رغبة ملحة لدى الحرس الثوري الإيراني، فاستمرارها هو السبيل الوحيد لاستمرار تحكمه بالقرار وسيطرته).
إنما نحن أمام معضلات قائمة تهدد الأمن القومي للمنطقة، وليست خطراً محتملاً مستقبلياً، بل بدأ في الأشهر الأخيرة ومستمر إلى اليوم، وكون إيران أطلقت عدداً أقل من صواريخها على دول، وعدداً أكثر على دول أخرى، لا يغير من كونها خطراً على الكل، وها نحن نرى الحوثي وكيف تحرك دون اعتبار للمواقف الإيجابية تجاه إيران.
دولنا مازالت تحت التهديدات الصاروخية والمسيرات، سواء التي تنطلق من الأراضي الإيرانية، أو من الدول التي تحتلها إيران (لبنان واليمن والعراق)، وثانيهما تلغيم مضيق هرمز وثالثهما اليوارنيوم المخصب، أما وكلاء إيران فدولنا ولله الحمد تعمل على تنظيف بؤرها، ولكن لبنان والعراق واليمن بحاجة لدعمنا كي يتم تطهير المنطقة بالكامل من كل البؤر الإيرانية.
هذه المعضلات بحاجة إلى استراتيجية متفق عليها بين دول المنطقة، وتحركات دبلوماسية متكاملة وموقف تفاوضي واحد يقويها ويجبر حلفاءنا على احترام مصالحنا، نحن نتحدث عن اليوم والآن، إن تباين المقاربات في هذه المرحلة الحساسة يضعف الموقف الإقليمي المشترك.يدنا في يد بعض وإعادة ترتيب بيتنا وتنحية خلافاتنا و وتوحيد موقفنا بالتأكيد لن يكون أبداً خدمة لإسرائيل، إنما سيضع ضغطاً كبيراً على موقف إيران التفاوضي، وعلى حلفائنا أيضاً. أما إن كنا سنبقى هكذا نحدد موقفنا بناء على أيهما أخطر، فهنيئاً لإيران وهنيئاً لإسرائيل معها.