هناك من المدن ما تُعرف بحداثتها، وأخرى تُعرف باقتصادها، ومدن تُعرف بحجمها، لكن المحرق تجمع كل ذلك وأكثر، تُعرف بأهلها وبذاكرتها وتاريخها وعراقتها وروّادها، تُعرف بحاضرها وتطورها، وبقدرتها على المزج بين الماضي والحاضر، بين العراقة والتطور، وتظل وفية لقيادتها لنفسها مهما تعاقبت عليها الأزمنة.
المحرق ليست مجرد محافظة، بل فصل كامل من كتاب الوطن العزيز، فمن أحيائها خرجت حكايات الغوص وأغاني الهولو واليامال، ومن بحرها استُخرجت أغلى اللآلئ، وعلى سواحلها استقبلت البحرين أفواجاً من دول العالم، وبُنيت سفن التجارة والغوص، وفي فرجانها برزت قيم التسامح والتعايش، ومن مجالسها انطلقت مبادئ التكاتف والتعاضد والتعاون.
ولأن المدن العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بتطوير مدينة المحرق، لتؤكد أن الحفاظ على التاريخ لا يكون إلا بإحيائه ليمتد إلى أجيال المحرق المتعاقبة لتحفظ مبادئ الآباء والأجداد، لتأتي المتابعة المباشرة من صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، لتترجم هذه الرؤية إلى مشروع وطني يُعيد العلاقة بين الأجيال والمكان.
لقد أثبتت البحرين عبر هذا المشروع وتلك الرؤية الملكية السامية، أن التنمية هي حوار راقٍ بين الماضي والمستقبل، فالدول الواثقة من تاريخها تجعل من ذاكرتها أساساً لمستقبلها، وهذا هو جوهر مشروع تطوير مدينة المحرق، أن تدخل المستقبل وهي تحمل معها عبق الماضي وذاكرة المكان، واستحضاراً للروّاد الأوائل في الفن والثقافة والأدب والرياضة، وقبل ذلك في الوطنية الحقة.
ولعل الرسالة الأعمق في مشروع التطوير أن الوطن لا ينسى تاريخ مدنه، فمن هذا التاريخ يبني الوطن مستقبله، ويعرف جيداً إلى أين يمضي وما هي أهدافه، فالمحرق ستظل مدينة لا تشبه إلا نفسها، فهي جزيرة تجاوزت حدود الجغرافيا، ومدرسة في الوطنية والحب والولاء للوطن والقيادة، ولهذا فإن تطوير المحرق ليس مشروعاً عمرانياً عادياً، بل هو استثمار في ذاكرة البحرين وفي هويتها، وفي مستقبلها، وحين تزدهر المحرق، فإن البحرين تتألق بل وتتأنق، لأن المدن العظيمة لا تضيء نفسها فقط، بل تضيء وطناً بأكمله.