آخر تطورات مضيق هرمز أمس تثبت أننا أمام تصعيد للوضع تزداد خطورته كل يوم، والسبب ممارسات الحرس الثوري الإيراني وسلوكه العدائي، والذي يحاول من خلاله تحويل المضيق من معبر دولي آمن إلى ما يشبه “معبر الموت”.
استهداف ناقلات النفط وبالأمس ناقلة الغاز القطرية، وتهديد السفن التجارية، ومحاولة فرض أوامر ورسوم وإتاوات على الناقلات العابرة، كلها تؤكد عقلية القرصنة السياسية والعسكرية، التي تريد أن تجعل من مضيق هرمز ورقة ابتزاز بيد الحرس الثوري، يستخدمها متى شاء، وضد من يشاء.
هذا السلوك العدواني يهدد الجميع بلا استثناء.
فكل استهداف لناقلة نفط أو غاز يعني تهديداً لأمن الطاقة، وضغطاً على الأسواق، وخطراً بيئياً محتملاً. وما يقوم به الحرس الثوري حول هذا الوضع لقضية أمن دولي بامتياز.
كل هذا الكلام قلناه وكتبناه، وتناولته كل التحليلات الإقليمية والعالمية، إذ مازال مضيق هرمز رهينة عند الحرس الثوري، ونقول ذلك لأننا لا نرى في المقابل انفراجة في الملف، وإن كانت من حلول، فإنها جزئية لفتح ممرات آمنة، لكنها حلول لا تنهي المشكلة الرئيسية، مشكلة استمرار هذه البلطجة الإيرانية.
الأخطر من ذلك أن الحرس الثوري لا يبحث عن تهدئة أو حل سياسي إطلاقاً. سلوكه يؤكد رغبته بالتصعيد، ورغبة صريحة في فرض معادلة جديدة بأن من يعبر من هنا، يعبر تحت التهديد.
وهذا بالضبط سلوك الميليشيات المسلحة التي تحاول أن تفرض نفسها وممارساتها الإرهابية وجعلها فوق القانون الدولي، وفوق سيادة الدول، وفوق حرية الملاحة.
ما يزيد الوضع تعقيداً أن الحكومة الإيرانية حتى إن تحدثت بلغة الدبلوماسية، تبدو عاجزة عن كبح جماح الحرس الثوري.
المشهد الإيراني الداخلي يثبت أنه لا يوجد قرار واحد منظم، بل وجود قوة مسلحة تتحرك بمنطقها الخاص، وتدفع المنطقة إلى حافة مواجهة جديدة لا يعلم أحد أين يمكن أن تنتهي.
الاكتفاء ببيانات الإدانة والقلق الدولي لم يعد مقبولاً. المطلوب اليوم موقف دولي أكثر جدية، من خلاله يتم حماية الملاحة الدولية ومنع تحويل المضائق البحرية إلى أدوات مساومة وتهديد.
وهنا نكرر بأن مضيق هرمز ليس ملكًا للحرس الثوري، وليس بوابة إيرانية مغلقة، وليس ممراً قابلاً للتحويل إلى نقطة جباية أو إرهاب بحري. هو ممر دولي حيوي، وأمنه جزء من أمن العالم.
وأي عبث به يعني فتح أبواب جهنم على المنطقة، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً وبيئياً وسياسياً.
الحرس الثوري الإرهابي يثبت مرة بعد أخرى أنه يتعامل بمنطق القوة المنفلتة. ومع تأخر حسم الأمور في المضيق، فإنه يفهم ذلك أن بإمكانه التهديد والابتزاز والقرصنة، ويمكنه أن يفجر ناقلات نفط وغاز، وأن يرهب المنطقة بأكملها.
أعتقد بأننا نرى اليوم أبشع نسخة للحرس الثوري الإيراني فيما يتعلق بانفلاته وعدم قدرة أحد على ضبطه أو ردعه أو احتوائه، ويبدو أنه وصل لمرحلة نفوذ أقوى من المرشد الإيراني الجديد نفسه، هذا إن كان ما زال موجوداً.