أفكر ملياً هذه الأيام في مفهوم العطاء، ذلك المفهوم الذي يُعد دافعاً أساسياً للإنسان لصناعة الأثر الجميل في حياته وبعد مماته. فالعطاء لا يقتصر على معاني الكرم والبذل والسخاء بالمال، بل هو أوسع وأعمق من ذلك بكثير؛ إذ يمثل مساحة رحبة في حياة المجتمعات، فتزدهر الأمم وتنهض بفضل الطاقات المعطاءة التي لا ترضى بديلاً عن البذل دون انتظار مقابل، أو كلمات شكر وثناء، أو مكاسب مادية أو معنوية، بعدما أصبح بعض الناس يربط قيمة جهوده بما يجنيه من مكاسب في الحياة.
ومن هنا تبرز الطاقات التطوعية التي سخّرت جانباً كبيراً من حياتها لعمل الخير وخدمة الإنسانية، فالعطاء الإيجابي هو الأساس الذي يقوم عليه العمل التطوعي، وتسخير النفس لخدمة الآخرين. ويقول أحد العلماء: "ما أجمل أن تُعطي وأنت تعلم أن المقابل ليس من الناس، بل من رب الناس". ولعل الإنسان يبذل من وقته وجهده في ميادين لا يدرك كثيرون قيمة ما يقدمه فيها. وفي المقابل يقول غازي القصيبي رحمه الله: "لا تُعطِ أحداً من وقتك أو جهدك ما لم يكن مدركاً تماماً لقيمة العطاء الذي قدّمته له".
ولعل ما يجعل هذا المفهوم أكثر أهمية، ولا سيما في ظل الظروف الوطنية التي نعيشها، واختلاف نظرات الناس إلى القيم الإنسانية والأخلاقية التي تربينا عليها منذ الصغر، وتعلمناها من الآباء والأجداد، وتوارثناها جيلاً بعد جيل؛ أن البعض سخّر وقته وجهده ليكون في مقدمة الصفوف لخدمة وطنه، كلٌّ في مجال عمله، وفي الميدان الذي يتميز فيه. فتراه مبادرًا إلى الخير، ساعياً في قضاء حوائج الناس، لا يدع فرصة تطوعية أو إنسانية إلا وكان حاضراً فيها، مستثمراً وقته فيما يتركه من رسائل إنسانية خالدة، وينقل صورة مشرقة عن وطنه وقيمه وثوابته، ليترك أثرًا يبقى للأجيال القادمة.
وهناك من يرى نفسه دائماً جزءاً من "فريق البحرين" في مقدمة الصفوف، فلا يرضى أن تبعده الراحة عن ميادين العطاء، بل يحرص على استثمار كل لحظة فيما ينفع، مهما سنحت له فرص الراحة. فهو شريك في صناعة المبادرات الإنسانية، ومبادر إلى الأفكار التي توسع مساحات الخير في بيئة عمله ومجتمعه، ولا ينتظر أن يُطلب منه، بل يشجع غيره ليكونوا يدًا بيد في خدمة الوطن والإنسانية. إننا بحاجة إلى هذا النموذج الوطني الرائد في العطاء، الذي يقدم الخير بلا مقابل، أيّاً كان عمره أو موقعه، ويجعل من صناعة الأثر الجميل نهجاً دائماً في حياته. نموذج ينشر الإيجابية في بيئة العمل، ويغرس قيم الخير، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب الآخرين، فلا يتذمر، ولا يكثر الشكوى، ولا يرى نفسه حكيم زمانه، ولا يتصيد الأخطاء، ولا يخوض في الغيبة والنميمة. وكما وفرت له بيئة العمل التحفيز والدعم وأجواءً يسودها التعاون والمحبة والتشجيع على العطاء، فإنه يرد الجميل بعطاء أكبر وأثر أجمل، فيصبح شعلة خير تضيء محيطه. فإذا ذُكر العطاء والخير، ذُكر اسمه مقرونًا بهما. وذلك هو الجمال الحقيقي؛ أن يرد الإنسان الجميل لمن أحسن إليه، وأن يجعل عطاءه ابتغاء مرضاة الله تعالى أولًا، ورجاء ثواب الآخرة، وصفاء القلب، وإخلاص النية، وهو ما يعزز مكانته بين الناس، ويجعل أثره مباركاً أينما كان. ولذلك نردد دائماً دعاء: "واجعلني مُباركاً أينما كنت".
ومنذ أيام، تواصلت معي فتاة تذوقت معاني الخير والعطاء، واستحضرت ذكريات مراحل من التدريب الحياتي الذي خاضته في سنوات مضت، وتحدثت عن أثرها فيما وصلت إليه اليوم من نجاح ومكانة مرموقة في خدمة الوطن. كما حدثني أحدهم عن شخصية إنسانية بارزة ارتبطت بالمسجد، فتكفلت بشؤونه، وحرصت على توفير القهوة وأجود أنواع التمور لرواده طوال أيام السنة. وأما الآخر، فقد عرفته طفلًا علّمته القرآن الكريم، ثم كبر وكبرت معه أحلامه، وترعرع في بيئة بسيطة في فريجنا المتواضع بعد أن فقد والديه، وشاءت الأقدار أن تتجدد بيننا الصلة بعد سنوات، فإذا به يشغل مكانة مرموقة في المجتمع، يخدم وطنه ويقدم الخير، وقد بعث إليّ برسالة ملؤها المحبة والامتنان.
أما ذلك الموظف المتقن، فقد حرص في كل موقف مرّ به الوطن على أن يكون في مقدمة المبادرين، مسخرًا وقته وجهده لخدمة الآخرين، ومقدماً الخدمات الإنسانية دون انتظار مقابل أو ثناء. همه أن يكون أحد أعمدة "فريق البحرين"، مؤمناً بأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الخير كل الخير فيما يقدمه ابتغاء وجه الله تعالى، وأن الذكر الحسن لا تصنعه المناصب، وإنما تصنعه أعمال الخير، ويبقى أثره شاهداً على صاحبه بعد رحيله. وهناك أيضاً من يعمل بصمت، بعيدًا عن الأضواء، لا يهمه أن يظهر في الصور أو تتصدر أخباره العناوين، وإنما يرجو الأجر من الله تعالى وحده، ويوقن أن المولى عز وجل يجزيه على قدر عمله وسعيه وإخلاص نيته، فلا يبتغي رضا الناس أو تصفيقهم، وإنما يحرص على أن يعمّر أوقاته بما يرضي الله تعالى، ولا سيما في ميادين الخير والعمل الإنساني، سواء في وظيفته أو في خدمة مجتمعه.
ومضة أمل:
رسائل العطاء لا تُختزل في معنى واحد، وصوره أوسع من أن تُحصى، وأبواب الأجر أكثر من أن تُعد. فلا ينبغي أن نفوّت فرصة لفعل الخير، رجاء مرضاة الله تعالى. فنحن نعيش لله سبحانه وتعالى أولاً، ونسعى إلى رضاه قبل رضا الناس، ونجد سعادتنا الحقيقية فيما نقدمه من خير للآخرين. وما أجمل أن نتبادل العطاء، وأن نعطي أكثر مما نأخذ، لتظل البحرين واحةً للخير والعطاء، ووطناً يصنع الأثر الجميل.