في عالم تتنافس فيه الدول على الاستثمار والكفاءات والسياحة، لم يعد الأمان ملفاً سيادياً يُقاس بعدد الدوريات أو سرعة الاستجابة للحوادث، بل أصبح جزءاً من قيمة الدولة الاستراتيجية لمن يعيش ويعمل على أرضها أو يستثمر فيها. فالدولة الآمنة لا تحمي الأرواح والممتلكات فحسب، وإنما تصنع الثقة، وتمنح الاقتصاد مساحة للنمو، وتُشعر المجتمع بأن الحياة تسير في بيئة مستقرة.

ومن هنا، فإن وصول مملكة البحرين إلى المرتبة الرابعة عربياً والحادية عشرة عالمياً في مؤشر الأمان الصادر عن منصة «Numbeo» لمنتصف عام 2026، بعد تسجيلها 77.7 نقطة، لا يمثل تقدماً رقمياً فحسب، بل شهادة على رسوخ الأمان وجودة الحياة في المملكة. كما جاءت نتائج البحرين قريبة من المستويات التي سجلتها اليابان وسنغافورة، بما يضع التجربة البحرينية في مصاف النماذج الدولية المتقدمة رغم الفوارق في الحجم والإمكانات.

وتزداد أهمية النتيجة حين تُقرأ بوصفها مساراً لا لقطة عابرة. فقد ارتفعت البحرين من 75.2 نقطة والمركز السادس عشر عالمياً في منتصف عام 2024، إلى 76.2 نقطة والمركز الخامس عشر في منتصف عام 2025، ثم إلى 77.7 نقطة في التصنيف الأخير. وهذا التحسن المتدرج يعكس استمرارية في الأداء وتراكماً في النتائج عبر عامين.

ويكتسب هذا التقدم دلالة مضاعفة؛ إذ يأتي في ظروف إقليمية استثنائية تعرضت خلالها المملكة لاعتداءات إيرانية آثمة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح صون الاستقرار الداخلي واستمرارية الحياة الطبيعية اختباراً فعلياً لمتانة المنظومة الوطنية وقدرتها على حماية المجتمع والحفاظ على ثقته.

ومن المهم قراءة المؤشر بدقة؛ فهو يعتمد على استطلاعات تقيس شعور المشاركين بالأمان وقلقهم من جرائم مختلفة، ولا يمثل بديلًا عن الإحصاءات الرسمية. غير أن هذه الطبيعة تكشف أن الأمن لم يبقَ أرقامًا داخل التقارير، وإنما أصبح تجربة يلمسها الناس في الشارع والحي ومكان العمل وخلال تنقلهم نهارًا وليلًا. فالفارق كبير بين دولة تقول إنها آمنة، ودولة يشعر سكانها وزوارها بذلك في حياتهم اليومية.

ويأتي هذا الإنجاز امتدادًا لرؤية وطنية جعلت أمن الإنسان واستقرار المجتمع قاعدة لمسيرة التنمية بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبمتابعة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله. كما يعكس كفاءة منظومة لا تختزل الأمن في المواجهة بعد وقوع الخطر، بل تقوم على الجاهزية والاستباق، والتنسيق بين المؤسسات، وتطوير القدرات، والاستفادة من التقنية، وبناء شراكة واعية مع المجتمع.

فالنجاح الأمني المعاصر حصيلة قانون يُحترم، ومواطن يدرك مسؤوليته، ومقيم يثق بالنظام، وإعلام يعزز الوعي، ومؤسسات تتبادل المعلومات وتتحرك قبل أن تتحول المخاطر إلى أزمات. وهذه المنظومة المتكاملة هي التي تجعل الأمان ثقافة عامة، لا مجرد حضور أمني ظاهر.

وللأمان عائد اقتصادي واجتماعي لا يقل أهمية عن أثره الأمني؛ فالمستثمر يبحث عن بيئة مستقرة تحمي أعماله، والسائح يختار وجهة يشعر فيها بالطمأنينة، والكفاءات تفضّل المجتمعات التي توفر لها ولأسرها جودة حياة مستقرة. ولذلك ينبغي النظر إلى التصنيف الجديد بوصفه ميزة تنافسية يمكن البناء عليها لتعزيز مكانة البحرين بوصفها وجهة آمنة للعيش والعمل والاستثمار والزيارة.

إن المرتبة الحادية عشرة عالمياً محطة تستحق الاعتزاز، وما كان لهذا الإنجاز أن يتحقق لولا الجهود الوطنية المخلصة التي تبذلها وزارة الداخلية بقيادة معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، وزير الداخلية، وما يضطلع به جهاز الأمن الوطني من أدوار نوعية في حماية أمن المملكة واستباق التهديدات، إلى جانب ما يقوم به رجال الأمن من عمل متواصل وتضحيات صامتة لحماية الأرواح والممتلكات وصون استقرار الوطن، في أداء يجمع بين الحزم والكفاءة والإنسانية. فتحية تقدير واعتزاز لكل عين ساهرة، ولكل رجل أمن جعل من سلامة البحرين وأهلها رسالة وطنية لا تنقطع.