هيفاء عدوان

«لم أبحث يوماً عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم»؛ بهذه الكلمات افتتح جلالة الملك محمد السادس ملك المملكة المغربية خطابه إلى الشعب المغربي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، والذي يصادف الثلاثين من يوليو من كل عام. كلمات تعكس فلسفة قيادة، ونهجاً في الحكم، ورؤية متواصلة تعمل المملكة الشقيقة على ترجمتها إلى إنجازات تنموية، وهو ما ينعكس اليوم في المكانة التي وصلت إليها عربياً وقارياً ودولياً.

شخصياً، ومن خلال زياراتي إلى المملكة المغربية، سواء في الرباط أو الدار البيضاء أو مراكش، كنت ألاحظ أن الحديث عن الوطن لا ينفصل عن الحديث عن الملك، والعكس صحيح. إنها ثقافة راسخة تتوارثها الأجيال، وتنعكس في تفاصيل الحياة اليومية، ويكفي أن نستحضر المسيرة الخضراء، التي شارك فيها أكثر من 350 ألف مغربي ومغربية، لندرك أن العلاقة بين الشعب وقيادته ليست مجرد علاقة سياسية، وإنما رابطة وطنية صنعت محطات تاريخية لا تزال حاضرة في وجدان الشعب المغربي.

ولعل هذا ما يجعل عيد العرش محطة سنوية يقف فيها الشعب أمام حصيلة وطنهم، ويجددون فيها ارتباطهم بمسيرة بدأت قبل سبعة وعشرين عاماً، ووضعت التنمية والاستقرار في مقدمة الأولويات.

ما شد انتباهي في الخطاب الملكي أنه كان خطاب مراجعة ومسؤولية، حيث حرص على التأكيد أن ما تحقق يمثل ثمرة رؤية استراتيجية تقوم على المبادرة والمتابعة والنقد الذاتي، وهي رسالة تعكس أن التنمية عملية مستمرة تتطلب التقييم والتطوير. ومن بين الرسائل التي تستحق التوقف عندها، تأكيد الملك محمد السادس أن الاستقرار أصبح رأس المال الحقيقي للدول، ففي عالم يموج بالصراعات، تبدو قدرة الدولة على الحفاظ على أمنها واستقرارها ومؤسساتها الفاعلة إنجازاً لا يقل أهمية عن أي مؤشر اقتصادي، وربما لهذا السبب استطاع المغرب أن يواصل تنفيذ مشاريعه الكبرى، وأن يتحول إلى مركز صناعي وسياحي ومالي متنامٍ، وأن يصبح أول مصدر للسيارات في أفريقيا، رغم ما يشهده العالم من اضطرابات ومتغيرات.

كما لفتني في الخطاب ذلك الربط المتوازن بين النمو الاقتصادي والبعد الاجتماعي، فالتنمية، في الرؤية الملكية، تقاس بقدرتها على تحسين جودة حياة المواطن، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتحقيق العدالة بين مختلف المناطق. وهذا البعد الإنساني هو ما يمنح أي مشروع تنموي استدامته الحقيقية.

ولهذا، لا يقرأ الشعب عيد العرش بوصفه مناسبة بروتوكولية، بل باعتباره محطة سنوية لمراجعة مسيرة وطن، وتجديد الثقة في مشروع دولة، والاحتفاء بعلاقة خاصة جمعت العرش بالشعب، وأسهمت في ترسيخ الاستقرار ودفع مسيرة التنمية.