يبدو أن التنين الصيني اكتشف طريقة مضمونة لإيقاظ الأمريكيين: كلما نفخ نفخةً من نار الذكاء الاصطناعي، نهضت واشنطن ووادي السيليكون وكأن الشرارة وصلت إلى طرف السجادة.
المشهد ليس جديداً. قبل فترة كانت النفخة تحمل اسم DeepSeek (ديب سيك)، واليوم جاء الدور على Kimi K3 (K3 كيمي)، من شركة Moonshot AI (مون شوت إيه آي). وكيمي، للإنصاف، لم يهزم النماذج الأمريكية في كل اختبار، لكنه اقترب كثيراً من القمة وتفوق في اختبارات محددة، خصوصاً في البرمجة والعمل الوكيلي. والأهم أنه جاء بأوزان مفتوحة؛ أي أن الآخرين يستطيعون تنزيله وتشغيله وتعديله بدلاً من الاكتفاء باستئجار ذكائه عبر الإنترنت.
وهنا، وأنا أراقب الخبر وكوب الشاي أمامي، شعرت أن المسألة لم تعد: من يملك العقل الأذكى؟ بل من سيفتح مجلسه أولاً للناس. قد لا يكون مجلسه الأفخم، لكن إذا اعتاد الجميع الجلوس فيه، صارت السوالف كلها تدور هناك.
ويبدو أن النفخة كانت حارة فعلاً. جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ Nvidia (إنفيديا)، الذي لم يكن لديه أي منشور سابق على منصة X (إكس)، اختار قضية الأوزان المفتوحة لتكون موضوع أول منشور له. لا رقاقة جديدة، ولا رقم مبيعات، ولا احتفال بقيمة الشركة؛ بل رسالة عن مستقبل القيادة الأمريكية في الذكاء الاصطناعي. وفي رأيي، اختيار قضية كهذه لبداية حضوره على إكس ليس تفصيلاً عابراً؛ إنه يكشف أن المعركة لم تعد تجارية فقط، بل تمس مستقبل الهيمنة التكنولوجية نفسها.
وبعدها دخل البيت الأبيض على الخط، واجتمع في الرابع من أغسطس مع ممثلين من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي لمناقشة قواعد اختبار النماذج المتقدمة. فجأة، لم تعد نفخة التنين خبراً تقنياً للمبرمجين؛ أصبحت موضوعاً يُناقش في دوائر القرار.
طبعاً، إنفيديا ليست جمعية خيرية. كلما انتشرت النماذج، واحتاج الناس إلى تشغيلها، زاد الطلب على الرقائق والخوادم. لكن هذا لا يلغي الرسالة الأهم: الصين لا تحاول فقط أن تصنع نموذجاً أفضل؛ بل أن تجعل نموذجها ينتشر.
وأميركا ما زالت تملك أوراقاً ثقيلة: الرقائق، والسحابة، ورأس المال، وبعض أقوى النماذج المغلقة. لكن التنين يراهن على ورقة مختلفة: أن يكون قريباً بما يكفي من القمة، ثم يفتح الباب أمام الآخرين.
أما نحن، كمستخدمين، فالقصة أقرب إلينا مما تبدو. عندما تختار شركة أو جامعة أو حكومة نموذجاً اليوم، فهي لا تختار برنامجاً فقط؛ بل منظومة قد تعيش معها سنوات: أدواتها، بياناتها، تكاليفها، وحتى قدرتها على تغيير المورد لاحقاً.
وهذا مهم لنا في الخليج العربي تحديداً. السؤال ليس هل نشتري «العقل الأمريكي» أو «العقل الصيني» وكأننا نختار بين سيارتين في المعرض. الأذكى أن نحتفظ ببياناتنا، ونبني قدرتنا على تبديل النماذج، وألا نصبح أسرى لخدمة واحدة؛ فقد تصبح مثل اشتراك نسيته في هاتفك:
مستمر في الخصم، وأنت لا تعرف كلمة المرور لإلغائه!
لهذا، ربما لم تهزم الصين أمريكا في الذكاء الاصطناعي. لكنها ذكّرتها بشيء بسيط: أحياناً لا يفوز صاحب أفضل محل... بل صاحب الباب المفتوح، والمكان الذي تعوّد الناس الجلوس فيه.
* خبير تقني