بعد سنوات من العمل الجاد لمواجهة ما يُعرف بـ»تجارة الفيزا»، استطاعت البحرين تضييق مساحة هذه الظاهرة التي ألحقت الضرر بسوق العمل، وأسهمت في زيادة أعداد العمالة غير النظامية، وما يرتبط بذلك من ضغوط اقتصادية واجتماعية، فضلاً عن تأثيراتها على فرص العمل والمنافسة العادلة.

وخلال السنوات الماضية، قطعت هيئة تنظيم سوق العمل شوطاً مهماً في تنظيم السوق ومعالجة أوضاع العمالة المخالفة، إلى جانب تطوير التشريعات والآليات الرقابية وإيجاد مسارات قانونية لتنظيم أوضاع بعض فئات العمالة، في مواجهة ممارسات استغل فيها البعض السجلات التجارية وتصاريح العمل لتحقيق مكاسب مالية، ثم ترك العمال دون عمل حقيقي أو تحمل المسؤوليات القانونية والإنسانية المترتبة عليهم.

لكن الخبر الذي نشر مؤخراً يعيد «تجارة الفيزا» إلى الواجهة من جديد، وربما بصورة تستحق التوقف عندها أكثر من مجرد قراءة أرقام المخالفة، فبحسب الخبر، نجحت الجهات المختصة في ضبط 64 مؤسسة تجارية تبين أنها وهمية وغير قائمة فعلياً، حصلت على 211 تصريح عمل لعمالة أجنبية، من دون وجود حاجة فعلية لهذه العمالة.

بالتأكيد، ضبط هذه المؤسسات يحسب للجهات المختصة، ويؤكد استمرار الرقابة على سوق العمل، لكن القضية في الوقت نفسه تطرح أسئلة لا تقل أهمية عن عملية الضبط ذاتها، كيف استطاعت 64 مؤسسة غير قائمة فعلياً الحصول على 211 تصريح عمل؟

وإذا كانت المؤسسات وهمية، ففي أي مرحلة كان يمكن اكتشاف ذلك قبل إصدار التصاريح؟ وهل تكفي الإجراءات الحالية للتأكد من أن المنشأة تمارس نشاطاً اقتصادياً حقيقياً يتناسب مع عدد العمالة التي تطلبها؟ لكن الأهم أننا نريد منظومة تجعل وقوع هذه الجريمة أكثر صعوبة.

وبرأيي أن المشكلة لا تتوقف عند 211 تصريح عمل، بقدر ما تتعلق بالثغرة التي سمحت بإصدارها من الأساس، فكل تصريح عمل يفترض أن يقابله نشاط تجاري قائم، وحاجة فعلية إلى العامل، وقدرة لدى المؤسسة على تشغيله والوفاء بالتزاماتها تجاهه.

كما أن القضية تستدعي تعزيز الرقابة الاستباقية، فمع ما توفره التقنيات الحديثة وتحليل البيانات من إمكانات، أصبح بالإمكان بناء مؤشرات إنذار مبكر ترصد الحالات غير الطبيعية قبل أن تتحول إلى مشكلة، فمؤسسة لا تمارس نشاطاً فعلياً، ولا تملك حركة تجارية حقيقية، ثم تتقدم للحصول على تصاريح عمل، يجب أن تثير علامات استفهام قبل الموافقة، وليس بعد وصول العمال إلى البلاد.

لا أريد أن يُفهم من هذه التساؤلات أنها تقلّل من أهمية الجهود التي تبذلها هيئة تنظيم سوق العمل والجهات المختصة، بل تنطلق من نجاحها في كشف هذه القضية للمطالبة بالبناء عليه، فتجارة الفيزا ليست مجرد مخالفة يرتكبها شخص ويعاقب عليها القانون، وإنما ثغرة في سوق العمل يجب إغلاقها كلما حاول البعض إيجاد طريق جديد إليها، فالـ211 تصريحاً أصبحت قضية يجري التعامل معها، لكن التحدي الحقيقي هو ألا يكون هناك تصريح رقم 212 بالطريقة ذاتها.