يتجلّى في خطابات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه استحضار التاريخ بشكلٍ بارز لا لغرض استدعاء الماضي فحسب بل لتأسيس رؤية تربط أصالة البحرين بقدرتها على حماية سيادتها ومكتسباتها، وتوزان بين قوة الدفاع وبين ثقافة السلام، وتتخذ من الذاكرة الوطنية وسيلة لبناء مستقبل مشرق.
ففي خطابه السامي إبان ترأسه اجتماع مجلس الوزراء قدّم الملك المعظم قراءة عميقة تتجاوز بمفهومها ومضامينها اللحظة السياسية والأمنية الراهنة لتضع "ملحمة الصمود الوطني" في سياق تاريخي وحضاري أوسع، فالصمود كما في الخطاب لا يختزل في رد الفعل على الاعتداء أو تجاوز أزمة عابرة إنما هو تعبير عن شخصية وطنية تشكلت عبر تاريخ عريق واختزنت في وجدناها قيم الوحدة والثبات والانفتاح والسلام.
ومن هذا المنطلق تكتسب عبارة الملك المعظم" لا يفوتنا أن نسجل للتاريخ" مدلولاتها العميقة، فالتاريخ ليس مجرد سجل للأحداث إنما هو شاهد على مواقف الدول والشعوب، والوعاء لحفظ الحقيقة، فعندما يصف ملكنا صمود البحرين وضبطها للنفس بأنه امتداد لالتزام أصيل بترسيخ الاستقرار الإقليمي وتعزيز الأمن والسلم العالمي فهو يضع الموقف البحريني المعاصر ضمن مسار حضاري ممتد حيث تتكامل السيادة والمسؤولية.
- البحرين ملتقى الحضارات: عرفت البحرين عبر تاريخها وبحكم موقعها الجغرافي المتميز بالانفتاح البناء والتواصل الإنساني والتجاري والثقافي، حيث تؤكد الشواهد الأثرية والتاريخية قدم الحضارات المتعاقبة على البحرين بدءاً بدلمون مروراً بتايلوس ثم أوال إلى العهود الإسلامية حتى العصور الحديثة في ظل أسرة آل خليفة الكرام.
إن استحضار التاريخ يمنح حديث جلالة الملك المعظم عن "التاريخ المشترك وروابط الجوار" عمق يتجاوز به معنى الجغرافيا السياسية، فالبحرين لم تكن يوماً في معزل حضاري بل ازدهرت كونها نقطة التقاء بين الشعوب ومختلف الثقافات، حيث يشهد موقع قلعة البحرين الميناء القديم وعاصمة دلمون، ومدافن دلمون المدرجة على قائمة التراث العلمي وغيرها من الشواهد على عمق الدور الحضاري، فضلاً عن مسار اللؤلؤ في المحرق كشاهد لمرحلة أخرى من تاريخ البحرين رسم فيه البحر والغوص والتجارة ملامح مجتمع متماسك ومنفتح.
وعليه فإن تأكيد الخطاب السامي أن الأمن الحقيقي قائم على "دبلوماسية التفاهم والتعايش المتحضر وتنمية الإنسان تعميق الوعي بالتاريخ المشترك وروابط الجوار" هو امتداد لطبيعة البحرين التاريخية والحضارية كموطن للاتصال والتعايش الذي هو نتاج خبرة طويلة أدركت فيه البحرين أن ازدهارها مرتبط بأمن محيطها واستقرار سبل التواصل فيه.
ثغر من ثغور الإسلام
كما يبرز البُعد التاريخي والحضاري حين يؤكد جلالة الملك المعظم أن البحرين "عبر العصور تعد ثغراً من ثغور الإسلام، وتعتبر حمايته حماية لوحدة أمته وكسباً لعظيم الأجر" فمفهوم الثغر في الفكر العربي والإسلامي يحمل معنى الحراسة واليقظة وتحمل المسؤولية دفاعاً عن الجماعة وهويتها وأمنها.
إنّ دور البحرين وأهلها في خدمة الإسلام جلية في التاريخ الإسلامي منذ دخولها الإسلامي مبكراً ومن ثم دورها الاقتصادي والعسكري ومساهمة أهلها في الفتوحات الإسلامية لبلاد المشرق وفارس لحماية حدودها ونشر الإسلام والحضارة، وبذلك نرى دقة الربط بين الدولة الحديثة ومسؤوليتها في حماية سيادتها وبين عمق انتمائها العربي والإسلامي.
- الصمود امتداد لخطى الآباء: يدعو جلالته أبناءه إلى السير "على خطى آبائهم الأوائل في خدمة الوطن والدفاع عن كل ذرة من ترابه"، وهنا يتحول التاريخ لمسؤولية أخلاقية تتوارثها الأجيال فالآباء الأوائل أنموذجاً لقيم العمل والتضحية والولاء والوحدة. ومنهم يستلهم أبناء الوطن روحه في مواجهة التحديات، فعلى الرغم من تغير طبيعة الأخطار وتطور أدوات صدها إلا أن قيم الصمود تبقى ثابتة وهي وعي المواطن وتماسك المجتمع وكفاءة مؤسسات الدولة والالتفاف حول المصلحة الوطنية.
من هنا نجد الخطاب يتجاوز في تفسيره ملحمة الصمود في معناها العسكري على أهميته إلى دائرة أوسع تشمل كل المواطنين ومؤسسات الدولة والفعاليات المجتمعية، فهي ملحمة مجتمع بأسره عبر كل مكون فيه بموقعه ومسؤوليته، فالقوات العسكرية والأمنية تحمي أرضه وسماءه والمؤسسات المدنية تحافظ على سير الحياة وانتظامها والمجتمع يصون وحدته بتماسكه.
- حضارة السلام المحمية بالقوة: يبرز الخطاب السامي بتوفيقه بين السلام والقوة فالبحرين وفق رؤية جلالته "ترجح على الدوام كفة السلام والوئام" غير أنها في الوقت ذاته تحافظ على جاهزية دفاعية متكاملة، وتتصدى ببسالة لكل ما يهدد أمنها واستقرارها. فالتوازن هو جوهر الرؤية الحضارية في الخطاب فالسلام لا يعني الضعف وضبط النفس لا يعني الهوان، وتمسك الدولة بالقانون الدولي لا يلغي حقها في الدفاع عن سيادتها وبالوقت نفسه تستثمر القوة كوسيلة لحماية الإنسان والتنمية والاستقرار. كذلك يتجلى هذا المعنى في حديث جلالته حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وحماية المنطقة من أسلحة الدمار الشامل ومسؤولية الدول العربية في الدفاع عن سيادتها وتنسيق جهودها فالأمن الوطني في رؤيته جزء من الأمن الإقليمي والدولي وحماية البحرين مرتبطة بحماية فضاء أوسع من الملاحة والتجارة والاستقرار.
- الذاكرة الوطنية حصن للمستقبل: ختاماً إن اختيار الملك المعظم وصف موقف أهل البحرين بأنه "ملحمة" يحمل دلالات أوسع فالملحمة كلمة تحمل معنى البطولة الجماعية التي تحفظها الذاكرة، وتتوارثها ذاكرة الأجيال، وهذه الملحمة لا تقوم على المواجهة فحسب، بل الوعي والثبات والبذل والتضامن والوفاء.
ولما كانت الملاحم القديمة تُروى لتخليد أبطالها، فإن ملحمة الصمود البحرينية كُتبت بسلوك المجتمع كله من جنود ومؤسسات وأسر وكتاب، لتنتقل من كونها وصفاً لحدث إلى مشروع لحفظ الذاكرة الوطنية وترسيخها في وعي الأجيال.
وهكذا تبدو البحرين في الخطاب الملكي مملكةً تستحضر تاريخها لتبني مستقبلها، وتتمسك بهويتها لتنفتح على العالم، وتحمي ازدهارها بقوة مؤسساتها وبصدق رجالها، فهي حضارة تعي أن الصمود هو القدرة على مواصلة البناء بثقة ووعي وعزيمة لا تنكسر.