في مملكة البحرين نحن لا نحتاج إلى متحف وطني لحفظ تفاصيل مشاهدنا الوطنية والتلاحم الاجتماعي المميز فيما يخص ثقافتنا وموروثاتنا الأصيلة المستمدة من تاريخنا الاجتماعي الحافل والعريق، فمجالسنا الوطنية والشعبية المفتوحة دائماً للجميع تجعل هذا العرف المجتمعي الجميل يتنقل كعادة اجتماعية من جيل لآخر.

فالمجالس الشعبية في البحرين لم تكن يوماً مجرد أماكن لاستقبال أهل العائلة وحدها أو علاقاتهم الاجتماعية وأواصر النسب فحسب، أو حتى مخصصة لاستقبال أهالي المنطقة والضيوف من المناطق الأخرى أو تبادل الأحاديث العابرة، بل كانت ومازالت جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع البحريني، فبعضها يروي قصص الأولين والعبرات والمواعظ ويناقش شؤون الناس وتستعاد الذاكرة التاريخية والوطنية وتلتقي الأجيال في مساحة واحدة تجمع الكبير والصغير وتجمع صاحب التجربة بمن لايزال في بداية الطريق، وفيها كذلك، وهو الأهم، تنقل موارثينا وعاداتنا الخليجية والعربية الأصيلة، خاصة أن هناك من المجالس ما يزيد عن عمر الثمانين عاماً، ما شاء الله في عدد من مناطق مملكة البحرين.

ففي هذه المجالس يتعلم الأبناء والأجيال الناشئة من أهل المنطقة ومرتادي هذه المجالس، مع آبائهم وذويهم قبل غيرهم، آداب الحديث وفنون الإنصات واحترام الكبير وتقدير أصحاب الخبرة والتجربة، كما يكتسب صغار السن مفردات لغوية ثرية وأسلوباً راقياً في التعبير والتواصل، نتيجة احتكاكهم الدائم بأشخاص من أعمار وخبرات مختلفة، الأمر الذي ينعكس على شخصياتهم وطريقة تعاملهم مع المجتمع.

ولعل من يلاحظ مرتادي المجالس الشعبية من الشباب، يدرك أن كثيراً منهم يمتلكون حصيلة لغوية متميزة وقدرة على الحوار وحضوراً اجتماعياً لافتاً، إلى جانب تمسّكهم بقيم الاحترام والتقدير، ولاسيما تجاه الأكبر سناً، وهذا يؤكد أن المجلس لم يكن يوماً مجرد مكان للضيافة، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية تسهم في بناء الإنسان وترسيخ الهوية والحفاظ على القيم العربية والخليجية الأصيلة.

فالمجالس الشعبية فضاءات حية تحمل ذاكرة المجتمع، وتنقل عاداته وقيمه إلى الأجيال القادمة، وتقدم صورة حقيقية عن هوية البحرين والخليج القائمة على التواصل والاحترام والأصالة، فمع مرور الزمن تطورت وظيفة المجلس دون أن يفقد روحه. فالمجلس الذي كان يجمع أبناء الفريج والعائلة أصبح في صورته الحديثة مساحة أوسع للحوار الاجتماعي والثقافي والوطني، ولم تعد الأحاديث التي تدور فيه محصورة بين جدرانه. فالكثير من تلك القصص والأفكار أصبحت تجد طريقها إلى الإعلام، ومنه إلى الجمهور الأوسع، وأصبحت هناك تدار حلقات حوارية اجتماعية وندوات سياسية، وباتت المجالس تمثل اليوم منابر وطنية وواجهة اجتماعية وسياحية فيما يخص السياحة العائلية الداخلية والسياحة الاجتماعية تحديداً. فكم من وفود وزوار من دول توافدوا على مجالس شعبية للاقتراب من أهل البحرين والاحتكاك بهم والاطلاع على عاداتهم وثقافاتهم.

فالسياحة في أحيان تكون اكتشافاً لمكان قريب لم نمنحه من قِبل فرصة أن نراه بعين مختلفة، فزيارة مجلس عائلي قديم أو التعرّف على شخصية اجتماعية أو الاستماع إلى حكايات منطقة وناسها كلها تجارب تمنح الزائر صورة أكثر صدقاً عن المكان من أي منشور سياحي تقليدي، وفي بلد صغير مثل مملكة البحرين تتداخل الجغرافيا مع العلاقات الإنسانية بصورة لافتة، فقد تحمل قرية صغيرة أو حي قديم أو مجلس عائلي تاريخاً اجتماعياً يستحق أن يروى ليس باعتباره ماضياً فقط، بل باعتباره جزءاً من الهوية الحية للمكان.

ومن هنا، يأتي دور الإعلام في إعادة تقديم هذه المجالس بطريقة تتناسب مع زمن الصورة والمنصات الرقمية. فالإعلام الناجح والفعّال يعرف كيف يكتشف القيمة الكامنة وراء التفاصيل اليومية، ويستطيع أن يأخذ مجلساً يبدو للوهلة الأولى شأناً اجتماعياً محلياً، ويحوّله إلى نافذة يتعرّف من خلالها المشاهد على عادات المجتمع ولهجته وذاكرته وشخصياته وطريقة تفكيره.

وهذا النوع من الإعلام يحتاج إلى مذيع أو مقدم لا يتعامل مع المجلس باعتباره مجرد موقع للتصوير، بل يفهم طبيعة المكان ويترك لشخصياته مساحة كي تتحدث بلغتها الطبيعية، ويعرف متى يسأل ومتى ينصت، ومتى يترك للحكاية أن تقود الحوار. ولعل تجربة برنامج مجالسنا الذي قدمه الإعلامي المميز والمبدع عبدالله مبارك بن حويل المري، والذي تم في أعوام 2024-2025 بين جريدة الوطن وتلفزيون البحرين والموجود على منصة اليوتيوب بمشاهدات تقترب من المليون مشاهدة، تمثل نموذجاً واضحاً لهذا التحوّل، إذ لم يكن حضور المجلس فيه مجرد خلفية للقاءات عادية، بل رأينا كيف تحوّلت اللقاءات إلى ذاكرة وطنية واجتماعية لافتة تعكس ما يزخر به مجتمعنا البحريني من قيم ومواريث اجتماعية أصيلة، تثبت للجميع أن مجتمعنا البحريني ما هو إلا جزء من مجتمعنا الخليجي والعربي الممتد من الخليج العربي إلى المحيط. فالمجلس هو الذي يمنح الحوارات الحاصلة هويتها مع المتحدثين، بينما يأتي الإعلام ليجمع هذه العناصر في محتوى قابل للوصول إلى جمهور يتجاوز حدود المنطقة والدولة. وما لفت انتباهنا، ونحن نشاهد حلقات البرنامج على اليوتيوب، نجاح هذا النوع من البرامج في البيئة الرقمية، مما يؤكد أن الجمهور لم يفقد اهتمامه بالمحتوى المحلي، كما قد يعتقد، بل الناس قريبة من كل ما يشابه أسلوب حياتها والنمط الاجتماعي السائد لديهم والمشاهد الذي اعتاد على المحتوى السريع قد يتوقف أمام قصة رجل كبير في السن أو حكاية عائلة أو موقف من ذاكرة مجلس، لأنه يلامس ذاكرة وطنية بحرينية لا تمنحه له المواد المصنوعة بعناية لتناسب الجميع، فهذا البرنامج الناجح حمل خصوصية محلية مميزة.

ومن النماذج البحرينية التي يمكن التوقف عند تجربتها في هذا السياق الإعلامي عبدالله مبارك بن حويل المري، الذي ارتبط اسمه بتجربة مجالسنا، إلى جانب حضوره في التغطيات الإعلامية والرياضية، بما في ذلك المحافل الخليجية والعربية، والقيمة هنا ليست في عدد البرامج أو التغطيات بقدر ما هي في القدرة على تحويل الحضور الإعلامي إلى تجربة يعيشها المتلقي من المجلس المحلي الذي يحمل ذاكرة المكان، إلى الحدث الرياضي الذي يجمع جمهور الخليج، وصولاً إلى المنصات الرقمية التي جعلت الحدود بين المشاهد والمحتوى أكثر اتساعاً. فالإعلام في صورته الحديثة لم يعد مجرد شاشة تُعرض عليها الأخبار والبرامج، بل أصبح جسراً بين المجتمع وصورته عن نفسه، وكلما اقترب الإعلامي من الناس ومن مجالسهم وحكاياتهم ولهجاتهم وذاكرتهم، أصبح أكثر قدرة على صناعة محتوى يحمل هوية حقيقية بدلاً من أن يكون مجرد مادة عابرة في زحام المنصات.

وربما لهذا السبب تستحق المجالس الشعبية أن يُعاد النظر إليها من زاوية مختلفة، فهي ليست فقط جزءاً من الماضي الذي نخشى فقدانه، وإنما يمكن أن تكون جزءاً من الحاضر الذي نعيد تقديمه للأجيال الجديدة وللزائرين وللعالم من خلال المنصات الرقمية ووسائل الإعلامي المختلفة، شرط أن يكون الإعلامي نفسه هو ابن هذه المجالس وهذه البيئة، لتحويل المشاهد الاجتماعية في مجالسنا إلى منابر وطنية تكشف تاريخنا الاجتماعي الجميل والأصيل.