كثيراً ما تلتقي بشخصٍ يبحثُ عمّن يستمع إليه بهدوء، فيستطردُ في الكلام، ويذكر أدقَّ التفاصيل في حادثةٍ وقعت له، أو موقفٍ جرى بينه وبين شخصٍ آخر؛ فلا يترك شاردةً ولا واردةً إلا ذكرها، وكأنه يريد أن يُفرِّغ ما في قلبه مِنْ مشاعرَ متراكمة، وآلامٍ متزايدة.
في مثل هذه المواقف، حاول أن تكون هادئاً ومستمعاً جيداً؛ أصغِ إليه باهتمام، وأشعِرْه بأنك حاضر معه، تسمعُه وتقدّر مشاعره وظروفه، ودعه يلمس ذلك في نظراتك وتعابير وجهك وتفاعُلك، غير أنّ ذلك لا يعني أن توافق على كلّ ما قاله، أو تؤيّد جميع ما صدر عنه مِنْ أقوال أو تصرفات؛ بل يمكنك أن تساعده على تصحيح البوصلة وتوجيه المسار بعد أن يكمل حديثه، فهناك فرق بين أن تفهم الإنسان وأن توافقه، وبين أن تتعاطف مع ألمه وأن تؤيد خطأه.
والاستماع إلى الآخرين أدب عظيم، ومهارة اجتماعية، وخلق رفيع، ووسيلة للإصلاح، وطريق إلى كسب القلوب؛ بل هو نوع من أنواع الإحسان، وحسن العِشرة، وعلامات المروءة؛ لأنك تمنح المتحدث شيئًا لا يُشترى بالمال: تمنحه وقتك، وانتباهك، واهتمامك، وربما تمنحه إلى جانب ذلك رأياً سديداً، أو كلمة تفتح له باباً لم يكن يراه.
وتراه يُصغي للحديث بسمعهوبقلْبه ولعلّه أدرى به
والاستماع والإنصات عادةٌ جميلة، نحتاج إليها أكثر في عالمٍ كَثُر فيه المتحدثون، وقَلَّ فيه المستمعون. ومن أجمل صوره أن تحضر بقلبك مع المتكلم، وأن تمنحه من اهتمامك ما يشعره بأن حديثه مسموع ومقدَّر؛ فقد تكون حاجته إلى أذنٍ صاغية وصدرٍ رحب، أكبرَ من حاجته إلى محاضرةٍ واستشارة.
وقد كان مِنْ هدي النبي ﷺ حسن الاستماع إلى الناس، والإقبال على من يحدّثه، وإعطاؤه من الاهتمام ما يشعره بقيمته؛ فكان يصغي إلى أصحابه، ويستمع إلى النساء والضعفاء وأصحاب الحاجات، ويمنح كلَّ مَنْ يجلس إليه مِنْ عنايته ما يلمس بمكانته وقدره.
ومِنْ جميل ما يُروى في أدب المجالس التأكيدُ على الإصغاء إلى المتحدث، وعدم مقاطعته، أو إظهار العلم بحديثه، وعدم تسفيه رأيه أو تكذيبه:
وكُنْ مستمعاً للخير إن قال قائلٌولا تُبدِ للمنطوق منك تعجُّلاً
ومما يؤسف له في عالمنا اليوم أن الشاشات والهواتف أخذت نصيبًا كبيرًا مِنْ انتباهنا، حتى أصبح بعضنا منشغلًا بأجهزته عَنْ أقرب الناس إليه؛ فقد نجلسُ مع أهلنا وأطفالنا، لكن عيوننا معلّقة بالشاشات، وأذهاننا موزّعة بين الحديث والإشعارات والتنبيهات.
ومن المعلوم أن الأطفال بشكل خاص بحاجة إلى مَنْ يستمع إليهم، ويحاورهم، قد يحدّثك ابنك عن أمرٍ تراه صغيرًا، لكنّه كبير في نظره؛ وقد يحكي لك تفاصيل تبدو لك عابرة، لكنها بالنسبة إليه عالم كامل، فإذا استمعتَ إليه باهتمام، فأنت لا تسمع الكلمات فحسب، بل تبني في داخله شعورًا بالأمان، وكأنك تقول له: أنت مهمّ بالنسبة إليّ، وما يشغلك يستحقّ أن أسمعه.
وكذلك الوالدان؛ فاستماعك إليهما حين يكرران الحديث، أو يحكيان التفاصيل نفسها أكثر مِنْ مرة، ليس وقتًا فائضًا، بل هو من البر وحسن العِشرة، ومن جميل الوفاء لهما، وقد تكون زوجتك حين تتحدث بحاجةٍ إلى أن تفهم ما وراء الكلمات، قبل أن تسارع إلى تقديم الحلول.
استمع إلى من يحدثك بقلبك قبل أذنك، وكن ممن إذا جلس الناس إليهم اطمأنوا، وإذا تحدثوا إليهم وجدوا صدرًا رحبًا، فقد تكون دقائق قليلة من الاستماع الصادق سبباً في إزالة حزن طويل وتغيير حياة إنسان إلى الأفضل.
شمعة أخيرة: ليس كلُّ من يحدّثك يبحث عَنْ حلٍّ لمشكلته؛ بعضهم يبحث عن قلبٍ يتّسع لحديثه، وأذنٍ تُحسن الإصغاء، وإنسانٍ يشعره بأنه ليس وحده، ولعلّ أعظم ما تمنحه له أن تقول: «تحدَّث.. أنا أسمعك».