رأيتُ صورةً قديمة لسوق المنامة في الثمانينيات، فتوقفت عندها أكثر مما توقعت. لم تكن صورة شارع مزدحم فحسب، بل نافذة فُتحت فجأة على زمنٍ كامل؛ الواجهات القديمة، حركة الناس، السيارات، والنساء والفتيات بعباءاتهن التي تُلبس فوق الرأس، كما كنا نلبسها آنذاك. شعرت للحظة أن الصورة لا تعرض مشهداً من الماضي فقط، بل تستدعيني أنا إليه، وتعيدني إلى خطواتي الصغيرة بين تلك الأزقة.
كان سوق المنامة بالنسبة إلينا أكثر من مكان للتسوّق؛ كان موعداً مع المناسبات. نذهب إليه قبل بدء المدارس، وفي الأعياد، وعند الاستعداد للأعراس. هناك نشتري حقائب المدرسة الجديدة، والمريول، والشباصات، والخرز، ونختار الأقمشة التي ستتحول بعد أيام إلى أثواب نحفظها في الصور والذاكرة.
وكان للأقمشة يومها أسماء لها وقع خاص، وكأنها جزء من لغة ذلك الزمن. أتذكر قماشاً كنا نسميه «شَعر صباح»، نسبةً إلى الفنانة اللبنانية صباح؛ تتدلى منه خيوط من الزري اللامع، بعضها فضي وبعضها ذهبي، فتتحرك مع القماش كأنها خصل من ضوء. وما إن تقع أعيننا عليه حتى يبدأ الخيال في رسم الثوب قبل أن يصل القماش إلى يد الخياط.
وكم كنا نفرح حين نركب سيارة الأجرة متجهين إلى سوق المنامة. كانت الرحلة نفسها جزءاً من المناسبة؛ نذهب بحماس، نتنقل بين المحال، ونحمل الأكياس الصغيرة، ونشعر أن العيد أو المدرسة أو العرس قد بدأ فعلاً منذ اللحظة التي وصلنا فيها إلى السوق.
وكان السوق آنذاك عالماً قائماً بذاته؛ أصوات الباعة تتداخل، وروائح الطعام والعطور والأقمشة تلتقي في مكان واحد، والناس يمشون متقاربين، وكأن الشوارع تعرفهم واحداً واحداً. لم تكن الرحلة إلى المنامة مجرد شراء حاجات، بل خروجاً إلى الحياة نفسها.
وحين يقترب أذان المغرب، تبدأ حركة أخرى، ويصبح للوقت صوت مسموع. نتجه نحو الاستيشن، محطة سيارات الأجرة، وهناك تتعالى النداءات وتتداخل من كل جهة؛ هذا ينادي: المدينة... وآخر: الرفاع الشرقي... سترة... الرفاع الجبلي... فتتشابك الأصوات في الهواء، ويزداد المكان استعجالًا وحيوية مع اقتراب المغرب.
وكنا ما إن نسمع النداء الذي ننتظره: «الرفاع الجبلي» حتى نتجه إليه سريعاً؛ فالرفاع الجبلي هو ما نعرفه اليوم بالرفاع الغربي. نحمل أكياسنا ونسرع نحو سيارة الأجرة، وكأننا نخشى أن تفوتنا، ثم تبدأ رحلة العودة، ونحن نراقب المنامة تبتعد شيئاً فشيئاً خلف الزجاج.
ورغم كل ما تغيّر، ما زالت في المنامة ملامح كثيرة تُمسك بيد الذاكرة وتعيدنا إلى ذلك الزمان. لذلك كلما أثقلنا ازدحام الحياة، نجد في سوق المنامة ملاذاً صغيراً؛ نشرب شربت الليمون البارد، أو نأكل سمبوسة بشير، ثم نمشي بين الدكاكين بلا عجلة، وكأننا لا نبحث عن شيء يُباع، بل عن شيء بقي هناك ينتظرنا.
وأنا كلما مشيت في السوق، عادت إليّ خطواتي الصغيرة؛ أرى نفسي طفلة أمسك بطرف عباية والدتي، وأسير إلى جوارها بين الناس، مأخوذة بالأصوات والوجوه والواجهات. وربما لهذا لا تبدو بعض الأماكن قديمة أبداً؛ لأنها تظل تحتفظ بأعمارنا كما كانت، حتى لو تغيرت من حولها المدينة كلها.
تبدلت السيارات، وتنوعت العباءات، واختلفت الواجهات، واتسعت المنامة، لكن بعض تفاصيلها ما زال قادراً على أن يعيد إلينا أنفسنا القديمة في لحظة واحدة.
ولعل أجمل ما في الذكريات أننا لم نكن نحتاج إلى الكثير كي نشعر بأن مناسبة كبيرة قد بدأت؛ كان يكفي مشوار إلى سوق المنامة، وحقيبة مدرسة جديدة، وقطعة قماش تلمع بخيوط الزري، ويد أم نمسك بعباءتها، وصوت رجل في الاستيشن ينادي: «الرفاع الجبلي» قبل المغرب.فهل نشتاق إلى سوق المنامة القديم فعلاً... أم نشتاق إلى تلك النسخة منا التي كانت تمشي فيه بقلب أخف وخطوات أصغر؟!