في 15 يناير الماضي اجتمع مجلس الدفاع المدني في البحرين لمتابعة مشروع التنبيهات اللاسلكية للإنذار المبكر للطوارئ. حول الطاولة كان هناك وزراء، الخارجية، والمالية، والمواصلات والاتصالات، والبلديات والزراعة، والنفط والبيئة، والكهرباء والماء، والصحة، والإعلام، والصناعة والتجارة، والتنمية المستدامة. وفي 31 يناير جرى التشغيل التجريبي للنظام على الهواتف والأجهزة الذكية.

النظر إلى أسماء الجهات المشاركة يعطيك فكرة عما يحدث داخل الدولة حين تدخل في حالة طوارئ. هناك مستشفيات لابد وأن تعمل، محطات كهرباء لا يجب أن تتوقف، والمياه يجب أن تصل للبيوت، والمواد الغذائية لا يجب أن تنقص، وأيضاً الأدوية. ناهيكم عن استمرار الاتصالات والخدمات الحكومية، وكل شيء يحتاجه الناس.هذه هي الدولة التي لا نراها عادة بوضوح، وسأفسر هنا ما أعنيه.

نحن نرى الوزارات عندما نحتاج إلى خدمات، ونرى المستشفيات عندما نمرض، ونذهب إلى السوق، ونجد المواد الغذائية والاستهلاكية على الأرفف، ونفتح الهاتف فنعثر على تطبيقات الخدمات. اعتدنا أن نجد الأشياء، ونراها تعمل بسهولة، ولذلك قد لا نفكر إطلاقاً في المنظومة التي تجعلها تعمل.

الأزمات تغير نظرتنا لكل شيء بالضرورة. وهنا لنرى ما عايشناه خلال الفترة العصيبة التي مررنا بها بسبب الاعتداءات الإيرانية الآثمة.

في السادس من أبريل، عقدت اللجنة الوطنية لإدارة الطوارئ المدنية اجتماعاً استثنائياً لمتابعة عمل المركز الوطني لإدارة الطوارئ المدنية. ومن بين الملفات التي جرى التأكيد عليها استدامة الخدمات الحيوية، والمحافظة على المخزون الاستراتيجي، ومراجعة الخطط الوطنية الشاملة للتعامل مع الظروف الطارئة.

عبارة «المخزون الاستراتيجي» تمر علينا كثيراً في الأخبار. لكن معناها يصبح مختلفاً حين تمر الدولة بظرف استثنائي. ستطرح كثير من الأسئلة هنا على غرار: كم لدينا من المواد الغذائية؟! كم لدينا من أدوية؟! ماذا سنفعل لو تأخرت السفن، وتعطلت سلاسل التوريد؟! أين توجد الاحتياجات الأساسية؟! وكيف تصل إلى الناس؟!

المواطن لا يحتاج إلى معرفة كل التفاصيل، بعضها معلن، لكن الكثير منها لا يعلن عنه. المهم لديه النتيجة التي ترضيه، لكن كمواطن واعٍ عليه معرفة أن هناك من يحسب هذه الأمور قبل أن يفكر هو فيها.

مثال آخر لعله اليوم يغيب عن الأذهان، وأعني هنا مراكز الإيواء. إذ في مارس تم تفقد عدد من هذه المراكز في المحافظات، ومراجعة جاهزيتها وخطط تشغيلها والخدمات المقدمة فيها. أيضاً تم تحديث البيانات الرسمية عن مشاركة جهات حكومية والقطاع الخاص والمتطوعين في تشغيل هذه المواقع وتقديم الخدمات للموجودين فيها.هذه التفاصيل هي التي تصنع الفارق أثناء الأزمات.

الطوارئ لا تدار عند وقوعها فقط. إذا بدأت الدولة في البحث عن المكان والسلع والأدوية والمعلومة والمسؤول والسيارة والاتصال بعد وقوع الحدث، فإنها بذلك تكون تأخرت. العمل الحقيقي لابد وأن يبدأ قبل كل هذا. وهنا أتحدث عن التدريب، السيناريوهات، وضع القوائم، تقييم المخزون، تأمين وسائل الاتصال، تخصيص المراكز البديلة، تحديد المسؤوليات، وتجارب يتم القيام بها دون أن ينتبه لها الناس، لأنها تحصل في أيام عادية، وليست حالات طارئة، لكن كل هذا مرتبط بالجاهزية.

هنا يأتي اليوم غير العادي، ويظهر معنى كل ما أشرنا له أعلاه.كمثال لمسناه جميعاً، هل تتذكرون التنبيه الذي كان يصل إلى هواتفنا؟! جاء لأن وراءه نظاماً جرى اختباره قبل الأزمة، وراجعت الجهات المعنية آليات وصول التنبيهات إلى المواطنين والمقيمين والسيناريوهات التي يستخدم فيها. وبعد تشغيله فعلياً أدخلت وزارة الداخلية تعديلات على طريقة عمله، منها تنظيم صوت التنبيه خلال ساعات الليل.هنا توجد واحدة من أهم دروس ما مررنا به هذا العام.

نحن نتحدث كثيراً عن قوة الدول من خلال جيوشها وأجهزتها الأمنية وقدرتها على حماية حدودها. وهذا طبيعي. لكن هناك نوعاً آخر من القوة لا يظهر كثيراً في الصور.

فكروا فيها، كيف أن البلد تستيقظ صباح اليوم التالي، فتجد الكهرباء والماء يصلان للبيوت والمرافق. المستشفيات مفتوحة والأدوية متوفرة. مراكز التموين والأسواق تعمل. الاتصالات لم تنقطع. والخدمات الحكومية متاحة. والأغذية موجودة. والناس الذين يحتاجون إلى مكان آمن يجدونه، وفيه مَن يستقبلهم.

هذه ليست تفاصيل جانبية أثناء الأزمات. هذه هي الدولة. المواطن لا يحتاج إلى أن يرى غرفة العمليات، ولا أن يعرف أسماء جميع الموجودين فيها، ولا أن يتابع عشرات الخطط والجداول التي أعدت مسبقاً. هو يرى النتيجة. وحين يصل التنبيه إلى هاتفه خلال ثوانٍ، تكون أجهزة كثيرة قد تحركت قبله، وأشخاص كثيرون كانوا يعملون وهو لا يعرف أسماءهم.

أفضل إدارة للطوارئ هي التي يشعر المواطن بنتيجتها أكثر مما يرى تفاصيلها. والدولة لا تنجح في الأزمة فقط بما تمنع حدوثه، بل تنجح أيضاً بما لا تسمح له أن يتوقف