من جدة اليوم أرى السعودية بعين مختلفة، عين مواطن بحريني جاء إلى المملكة بدعوة كريمة من اللجنة المنظمة لكأس الخليج، ليكون حاضراً بين الأشقاء في واحدة من أهم المناسبات الرياضية الخليجية، فإذا به يجد نفسه يعيش مناسبة أخرى لا تقل حضوراً في الوجدان، مناسبة وطنية تعكس قصة وطن، وفرحة شعب، وذاكرة مشتركة تمتد إلى البحرين وكل الخليج.
وفي هذا المشهد تستحضر الذاكرة كلمات الشاعر السعودي الراحل غازي القصيبي وهو يتغنى بالجسر الذي جمع البحرين والسعودية، ذلك الجسر الذي لم يكن مجرد طريق يعبر فوق مياه الخليج، بل أصبح رمزاً لعلاقة أعمق وأبعد من الحجر والأسفلت.
فالجسر الذي شُيّد بين بلدين، كان امتداداً لجسر آخر قديم في القلوب، جسر لا تحدده الخرائط ولا تقيس طوله المسافات.
هنا في جدة حيث تتقاطع حركة الناس مع أجواء البطولة، وحيث تلتقي أعلام الخليج في مشهد واحد، تبدو السعودية أكثر من بلد يستضيف حدثاً رياضياً، تكتب فصول حكاية تُروى في تفاصيل الحياة اليومية وفي كرم أهلها، وفي اعتزازهم بوطنهم، وفي تلك الروح التي تجعل الضيف يشعر منذ اللحظة الأولى أنه ليس غريباً.
ولعل وجودي في المملكة في هذه الأيام جعلني أستشعر اليوم السعودي بصورة مختلفة، فأن تقرأ عن مناسبة وطنية شيء، وأن تكون حاضراً بين أهلها وتعيش تفاصيلها شيء آخر، فالمشاعر أكثر قرباً، والصورة أكثر وضوحاً، وتدرك أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى كثير من الكلمات لتشرحها.
وبالنسبة لنا في البحرين، فإن السعودية ليست مجرد جار تربطنا به حدود وجسر، إنها امتداد طبيعي للوجدان البحريني، ومكان ارتبط بذاكرة أجيال من أبناء البحرين، وبزياراتهم ولقاءاتهم وذكرياتهم، وبالكثير من التفاصيل التي جعلت من العلاقة بين الشعبين علاقة تتجاوز الجغرافيا إلى عمق المشاعر.
ولذلك حين يحتفل السعوديون بيومهم الوطني، لا يقف البحريني موقف المتفرج، بل يشعر أن هذه الفرحة تلامس شيئاً في داخله، وأن ما يسعد أهل السعودية يترك صداه في البحرين.
وربما أجمل ما في أن أكون اليوم في جدة هو أنني أعيش هذه المعاني من داخل المشهد، لا من خلف الشاشة أو عبر أوراق الصحف أو مواقع التواصل الاجتماعي، أرى كيف تتحول المناسبة الوطنية إلى حالة من الفخر والانتماء، وأرى في الوقت ذاته كيف تجمع الرياضة أبناء الخليج حول مساحة واحدة من المحبة والتنافس الشريف.
فكأس الخليج، في جوهره ليس مجرد بطولة تبحث فيها المنتخبات عن الفوز، إنه موعد يتجدد فيه اللقاء الخليجي، وتُستعاد فيه ذكريات المنافسة الجميلة، وتُفتح فيه أبواب جديدة للتواصل بين الشعوب.
ومن هنا من جدة، تتضح لي صورة أخرى للسعودية، صورة البلد الذي يحتفل بوطنه، ويحتفي بضيوفه، ويفتح أبوابه لأشقائه.
وفي اليوم السعودي ربما لا نحتاج في البحرين إلى أن نقول الكثير، يكفي أن نقول إن بين البحرين والسعودية حكاية أكبر من مناسبة، وأعمق من جغرافيا، وأبقى من الكلمات.
باختصار، جسرٌ من الحجر جمع ضفتين، وجسرٌ من المحبة جمع شعبين، كل عام والسعودية بخير، وكل عام وأهلها في عز ورفعة وازدهار.
ومن جدة، أقولها بلسان بحريني يحمل للسعودية الكثير من المحبة، هنا وطن يحتفل بيومه، وهناك في البحرين قلوب تحتفل معه.