مسؤولية الصاروخ لا تبدأ عند منصة إطلاقه في اليمن وتنتهي عنده، بل المسؤولية تبدأ عند من يمول الجماعة الإرهابية التي تطلقه، ومن يساعدها على امتلاك أدوات التهديد. هو شريك في المسؤولية السياسية والأخلاقية عن نتائج هذا التمكين.

لذلك إدانة إرهاب الحوثي، مع إعفاء النظام الإيراني الذي يدعمه، تعني محاسبة المنفّذ وترك مصدر قوته خارج الحساب. وقنوات التمويل بين الحكومة الإيرانية والحوثيين، التي وثقتها الخزانة الأمريكية، تجعل هذه المساءلة قائمة على وقائع مثبتة.

تكفي أربع وقائع من الاعتداءات المعلنة على المطارات لندرك فداحة ما تتعرض له الشقيقة المملكة العربية السعودية. ففي بيان الهيئة العامة للطيران المدني عن اعتداءي 6 و7 أكتوبر، بلغت الحصيلة في مطار أبها شهيدين و28 مصاباً، وفي مطار الملك خالد بالرياض قتيلاً وثمانية مصابين. أناس كانوا يمارسون حياتهم، ولم يكونوا طرفاً في معركة.

ثم أعلنت الهيئة أن هجوم 10 أكتوبر على مطار الملك خالد أوقع 12 شهيداً، بينهم أربعة سعوديين، و309 مصابين، بعضهم في حالة حرجة. وفي اعتداء اليوم التالي على المطار نفسه، استشهد مقيم باكستاني وأُصيب 11 آخرون. أي خطاب سياسي يمكنه تغطية هذه الدماء؟! وأي قضية يمنحها قتل المسافرين قيمة أو مشروعية؟!

لم يقتصر التهديد على المطارات؛ ففي 8 أكتوبر أعلن التحالف اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية، اثنين باتجاه الرياض وثالث باتجاه خميس مشيط. وأعلن الدفاع المدني أن شظايا اعتراض صاروخ في الرياض ألحقت أضراراً بروضة أطفال ومجمع عيادات طبية. هذا هو الوجه الفعلي للاعتداء، فالخطر يصل إلى المكان الذي يترك فيه أولياء الأمور أطفالهم، ويصل للمرافق العلاجية التي يذهب لها المرضى، وقس على ذلك.

هنا يصبح اختزال المسألة في مواجهة مع جماعة يمنية قراءة تخدم النظام الإيراني. فالتمويل ليس فقط أرقاماً في الحسابات، بل يتحول إلى قدرة على مواصلة التهديد. وقد تناولت الإجراءات الأمريكية في يناير الماضي شبكات لشراء السلاح وتهريبه وتوفير الخدمات المالية للحوثيين، إلى جانب قنوات الدعم الإيراني. وهنا من يواصل تمكين هذه الجماعة الإرهابية لا يستطيع التنصل من مسؤوليته كلما ظهرت نتائج هذا التمكين على الأرض.

من هذا المنطلق تُقرأ خطورة تبادل الأدوار سياسياً؛ إذ في فهم النظام الإيراني وعملائه، فإن السلاح الحوثي قد يصنع ضغطاً على السعودية، بينما سيحتفظ نظام طهران بمسافة دبلوماسية. والنتيجة أن المعتدى عليه يتحمل كلفة الاعتداءات وحماية البشر، بينما يحول الداعم موقف أذرعه إلى ورقة تفاوض.

هنا المعادلة المهمة، فاختلاف موقع الإطلاق لا يغير ماهية ومرجعية المعتدي، ولا يمنح مموله وداعمه شهادة براءة. ولهذا يبدو عرض الخارجية الإيرانية قبل يومين بإمكانية تسهيل الحوار بين السعودية والحوثيين أمراً مستفزاً. فالمطلوب من طهران ليس إثبات قدرتها على التواصل مع الحوثي؛ فعلاقتها به معروفة. المطلوب منها وقف تمكينه من الاعتداء إن كانت صادقة فيما تعلنه دبلوماسياً بشأن السعودية ودول الخليج. إذ لا يجوز أن تصبح الصلة بالمعتدي مؤهلاً للوساطة، بينما تبقى مسؤولية دعمه بعيدة عن المساءلة.

استهداف المطارات يزرع القلق في قرار السفر، ويضغط على حركة الأعمال، ويحاول جعل الاستقرار خاضعاً لتهديد دائم، ويرهب الناس الأبرياء. لهذا يجب ألا تتحول حماية الناس إلى مقايضة تمنح الداعم مكاسب مقابل تهدئة حليفه. وقف الاعتداءات ليس خدمة تُقدم بمفاوضات، فدماء الأبرياء التي سالت ليست رصيداً ليتفاوض بشأنها الإرهابيون.

نحن في البحرين نقف بقوة مع أشقائنا في السعودية. أمن المملكة من أمننا، ومصاب أهلها يمسنا في بيوتنا وفي نفوسنا. نسأل الله أن يحفظ السعودية وقيادتها وشعبها، وينصرهم على المعتدين، ويرحم الضحايا ويشفي المصابين، ويحمي دول الخليج العربي وشعوبه قاطبة. أما النظام الإيراني، فلا يظنن أن «مسرحية خطاب الوساطة»، ستغسل مسؤوليته عن دعم ذراعه الحوثي.