قبل أربع وعشرين سنة، وأنا أصحح أوراق الامتحان، استوقفتني إجابة، كنت أقرؤها وأقول في نفسي: كأني أعرف هذا الكلام جيداً، ثم عدت إلى الكتاب الجامعي للمقرر، ووضعت الورقة إلى جانب الصفحة، فإذا الإجابة منسوخة كما هي، النقاط بترتيبها، والفواصل في مواضعها، لم يهمل شيئاً، أغلقت الكتاب وأنا واثق، ولم أضع له درجة، في المحاضرة التالية سلمت الأوراق، وبقي هو يسأل عن ورقته، فقلت له: اتبعني، وخرجنا من القاعة، فقلت بلا مقدمات: أنت غششت، - وكنت، ولا أزال، لا أجد للغش مبرراً، فهو مذموم بكل المقاييس والأعراف - اغرورقت عيناه، ورأيت في وجهه شعوراً بالظلم، لكنه استجمع قواه وقال: أنا لم أغش، ولا أقبله على نفسي، لكن الله حباني قدرة على التذكر، فإذا قرأت شيئاً بتركيز تذكرته كما كتب، لقد مضى أسبوع على الاختبار، وآخر مرة راجعت فيها المادة كانت في يومه، ولا أطلب إلا شيئاً واحداً: خذني إلى مكتبك، وضع أسئلة جديدة، وأعطني ورقة من عندك، وسأكتب إجابة مطابقة لما في الكتاب، أخذته، وكتبت ثلاثة أسئلة جديدة، وأعطيته ورقة من عندي، وبعد ربع ساعة وهو يكتب أمامي أعادها إلي، فأخرجت الكتاب وقارنت، فإذا هي مطابقة كالمرة الأولى، فاعتذرت منه، وأعدت له ورقته الأولى وعليها درجة كاملة.
بعد هذه الحادثة بحثت عن تفسير، فوجدت أن لما فعله أساساً علمياً، فالذاكرة لا توزّع على الناس بالتساوي، وعلم النفس المعرفي يفرق بين معالجة سطحية للنص ومعالجة عميقة، فكلما ازداد تركيز القارئ، وارتبط ما يقرؤه بمعرفة سابقة عنده، رسخ الأثر وطالت حياته في الذاكرة، ثم إن قلة نادرة يملكون قدرة على الاستدعاء الحرفي، يستعيدون النص بصورته لا بمعناه وحده، وما بدا لي نسخاً كان في حقيقته أثراً لقراءة عميقة في عقل يحتفظ بما يقرأ، وهنا يتضح وجه القراءة المزدوج في القصة: القراءة هي التي أنقذت الطالب، فالحفظ لم يأتهِ من فراغ، بل من جلوسه مع كتابه بانتباه كامل، والقراءة هي ما نقصني أنا، إذ كان بين يدي تفسير واحد جاهز هو الغش، ولم يخطر لي تفسير ثانٍ، لأني لم أقرأ بعد ما يكفي لأعرف أن في الناس من يقرأ فيحفظ كما يكتب.
وهذا ما تصنعه القراءة بنا، فهي توسّع مخزوننا من التفسيرات، فتطول المسافة قليلاً بين ما نراه وما نحكم به، وفي هذا القليل يسكن الفرق بين أستاذ يكسب طالباً وآخر يخسره.
ومنذ ذلك اليوم، ولأربع وعشرين سنة، لم أوجه تهمة غش لطالب إلا إذا أمسكته متلبساً، ودربت نفسي على أن أتعامل مع كل حالة -قد يحكم عليها غيري بالغش- على أنها شبهة تحتاج إلى إثبات، ثم اكتشفت أن القاعدة أوسع من قاعة الامتحان، فالزميل الذي يعترض ليس معانداً بالضرورة، والآخر الذي يرفع صوته ليس عدوانياً بالضرورة، والطالب الشارد ليس لا مبالياً بالضرورة، ولذلك أقرأ، لأتعلم أن أؤجل الحكم صفحة واحدة، فربما كانت هي الصفحة التي تنصف إنساناً.
* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية