الأمن والمواطن مسؤولية مشتركة لخدمة المجتمع، ومفهوم هذه الشراكة المجتمعية يحفظ الأمن والاستقرار، هذا ما جاء في كلمة سيدي معالي الفريق أول ركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية الذي بين فيها النقلة النوعية التي خاطب بها الوعي المجتمعي، والحس الأمني مؤكداً بذلك على سيادة القانون، ووحدة الصف الوطني، وهذه ليست كلمات عابرة أو مجرد رسائل تقال في بعض المناسبات وتنتهي، وإنما هي توجيهات تحمل في طياتها مسؤولية وطنية مشتركة، وتضع أمام المجتمع جملة من المبادئ التي ينبغي أن تتحول من كلمات مسموعة إلى سلوك يومي وممارسة واعية.
فالأمن في مفهومه الحديث لم يعد مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل أصبح منظومة متكاملة تقوم على الشراكة بين رجل الأمن والمواطن والمقيم والأسرة والمدرسة ومؤسسات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام. وهذا المفهوم تؤكده التجربة البحرينية في مجال الشرطة المجتمعية ونعني بها (شرطة المجتمع)، التي تقوم على تعزيز التواصل والتفاعل بين الأجهزة الأمنية وفئات المجتمع وتحمل المسؤولية المشتركة في المحافظة على الأمن والاستقرار.
ومن هنا تأتي أهمية توظيف كلمة معالي الوزير في توجيه المجتمع إلى المسار الصحيح، ليس من خلال لغة التحذير فقط، وإنما من خلال بناء الوعي والثقة والمسؤولية.
فالمواطن اليوم أمام فضاء إعلامي مفتوح، تصل إليه عشرات الأخبار والمقاطع والتعليقات خلال دقائق.
ومن هذا المنطلق تظهر أهمية الوعي، أي أنه ليس كل ما ينشر حقيقة، وليس كل مقطع دليلاً، وليس كل تعليق يستحق إعادة النشر. وقد تتحول المعلومة غير الدقيقة، إذا تم تداولها على نطاق واسع، إلى مصدر للقلق والبلبلة.
ولهذا فإن من أهم الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى المجتمع هي، توقف قبل أن تنشر، تحقق قبل أن تصدق، وفكر قبل أن تعلق.
إن حماية المجتمع من الشائعات والمعلومات المضللة أصبحت جزءاً من الأمن المجتمعي، وأصبح المواطن الواعي شريكاً أساسياً في هذه المنظومة. وعندما يلتزم الفرد بالمصادر الرسمية، ويتجنب نشر ما لم يتحقق منه، فإنه لا يحمي نفسه فقط، وإنما يسهم في حماية أسرته ومجتمعه ووطنه.
كما أن توجيهات سيدي معالي وزير الداخلية يمكن أن تشكل فرصة لإعادة التأكيد على أهمية الأسرة في صناعة الوعي الأمني. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء معنى المسؤولية واحترام القانون، وهي القادرة على توجيه الشباب إلى الاستخدام الآمن والمسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي، وتعزيز ثقافة الحوار والاحترام وعدم الانجرار وراء الاستفزاز والشائعات.
أما الشباب، فهم في وسط هذه المعادلة، لأنهم الأكثر استخداماً للتقنيات الحديثة ووسائل التواصل، وبالتالي فإن مسؤوليتهم لا تقتصر على عدم نشر المعلومات الخاطئة، بل تمتد إلى أن يكونوا جزءاً من الحل، من خلال نشر المحتوى الإيجابي، وتعزيز الوعي، والابتعاد عن كل ما من شأنه إثارة القلق أو الإضرار بالنسيج الاجتماعي.
إن الأمن لا يعني فقط غياب الجريمة، وإنما يشمل كذلك استقرار المجتمع، وطمأنينة أفراده، واحترام القانون، وحماية الممتلكات، والمحافظة على السلم المجتمعي. ولذلك فإن التعاون مع الأجهزة الأمنية والإبلاغ عن المخاطر عبر القنوات الرسمية يمثلان سلوكاً وطنياً مسؤولاً.
ومن المهم كذلك ألا تفهم التوجيهات الأمنية باعتبارها قيوداً على المجتمع، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة حماية الأرواح والممتلكات والنظام العام. فالمصادر الرسمية لوزارة الداخلية تؤكد أن حماية النظام العام تستند إلى اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الأمن والأمان داخل المجتمع.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الكلمة هي أن الأمن يبدأ بالوعي قبل أن يبدأ بالإجراء.
وعندما يتحول احترام القانون إلى ثقافة، والتحقق من الأخبار إلى عادة، والإبلاغ عن المخاطر إلى مسؤولية، وحماية الوطن إلى سلوك يومي، فإن المجتمع يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات المختلفة.
إن مملكة البحرين، بما تتميز به من ترابط اجتماعي وتلاحم وطني، قادرة على تعزيز هذه الشراكة بصورة أكبر، بحيث يصبح كل فرد جزءاً من منظومة الأمن المجتمعي، كلاً من موقعه وبقدر مسؤوليته.
وفي النهاية، فإن كلمة سيدي معالي وزير الداخلية ينبغي ألا تبقى في إطارها الرسمي فقط، بل المطلوب أن تصل إلى كل بيت وأسرة ومدرسة وجامعة ومجلس ومواقع التواصل، وأن تتحول إلى ثقافة وطنية تحمل عنواناً، وعي يحمي، ومسؤولية تبني، وقانون يصون المجتمع.
فالأمن مسؤولية الأجهزة المختصة نعم، لكنه أيضاً وعي المواطن، ومسؤولية الأسرة، ووعي الشباب، وأمانة الكلمة والمعلومة.
وهنا تتحول الرسالة الأمنية من مجرد توجيه إلى قوة مجتمعية حقيقية تحافظ على أمن مملكة البحرين واستقرارها وتماسكها، في ظل العهد الزاهر لسيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى ٱل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، وبدعم من سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، وحكومته الرشيدة.
حفظ الله مملكة البحرين وقيادتها وشعبها الوفي، من كل شر ومكروه.
* محلل سياسي وخبير استراتيجي