في أول خميس من كل شهر، وفي وقت محدد، كان يختفي عن الشوارع من تحتضنهم في هذه الأوقات في باقي الأيام، وذلك في بغداد والقاهرة وعمّان ودمشق، ليس لأن هناك حظراً للتجوال أو لسوء أحوال الطقس، بل لأن أم كلثوم تغني، الغريب أن الملتفين حول الراديو لم يكونوا كلهم من عشاق الطرب، فكان من بينهم من لا يطيق الوصلات الغنائية الطويلة ويتململ من الإعادة، لكنه مع ذلك كان يجلس لأن الجميع جالسون، ولأن صباح الجمعة سيكون حديثه عن تلك الليلة، ومن لم يسمع لن يجد ما يقوله. بعد ذلك جاء التلفزيون إلى بغداد سنة 1956، وكان أول تلفزيون في المنطقة، ولم يتبدل الأمر كثيراً، جهاز واحد في الحي يجتمع أمامه الجيران، وبرنامج واحد لا خيارات متعددة من البرامج، ومسلسل إذا عرض خلت الأزقة من الأطفال، ثم يأتي الصباح فيسأل الجار جاره: «شفت البارحة؟» فيجيبه على الفور، لأنه «شاف» فعلاً، ولأنه لم يكن بإمكانه أن «يشوف» غيره.

لم يكن -في حينها-ما يجمع الناس جودة ما يُقدَّم، فكثير مما قُدِّم وعُرض كان رديئاً، لكن ما جمعهم واحد، وأعني مرجعاً واحداً مشتركاً يستطيع أن يستعمله الغني والفقير والمتعلم والأمي، فيتنازعون فيه ويتفقون عليه ويضحكون منه، لكنهم يتنازعون على الشيء نفسه. أما اليوم فلكل واحد منا مرجعه وهو شاشته، ولكل شاشة خوارزمية تعرف عنه ما لا يعرفه أقرب الناس إليه؛ تعرف الساعة التي يضعف فيها، والموضوع الذي يرفع ضغطه، والعبارة التي تجعله يقف بإبهامه عن الحركة ثانيتين، فتعطيه منها المزيد، وقد يجلس رجلان في غرفةٍ واحدة على أريكة واحدة، وكل منهما يمسك جهازه، فيعيش أحدهما في بلد يوشك على الانهيار، ويعيش الآخر في بلد يوشك على النهضة، وهما في بلد واحد، بل في غرفة واحدة، ثم يرفع أحدهما رأسه ويقول للآخر: «قرأت الخبر؟ أو رأيت الأحداث» فيجيبه: أي خبر؟ وهنا تبدأ المشكلة.

فحين يغيب المشترك، لا يغيب الترفيه وحده، بل يغيب ما يقوم عليه الخلاف نفسه، والخلاف -على خلاف ما نعتقد- نعمة تحتاج أرضاً صلبة يقف عليها المختلفان، نص واحد يقرؤه الاثنان فيفهمه كلٌّ على وجه، وحادثة واحدة يعترفان بوقوعها ثم يختلفان في تفسيرها. أما أن يجلس اثنان لا يشتركان في شيء، فذاك ليس اختلافاً بل انفصال، وقد كنا نختلف على تفسير الخبر، فصرنا نختلف على وقوعه، وهذا أخطر بكثير، لأن الأول جدل يدار، والثاني قطيعة لا توصل، وربما يكون الحال في بعض الدول أسوأ، لأن الأرضية ليست رخوة فحسب، إنما محفورة بالكامل، ففي العراق لم تجد الخوارزميات أرضاً صلبة أو حتى رخوة تحرثها، بل وجدت خنادق محفورة من قِبلها، فنزلت فيها ووسعتها، فصار لكل جماعة تاريخها الذي يظهر على شاشاتها، وصور ماضيها التي لا تُعرض إلا عندها، وعندما يكون لكل فئة ماضٍ خاص، فمن الصعب أن الفئات تتفق على مستقبلها، فالدولة في حقيقتها ليست حدوداً ووزارات، الدولة حكاية يرويها الناس لأنفسهم عن أنفسهم، وحين تتكسر الحكاية إلى ملايين الحكايات الصغيرة، تبقى الحدود والوزارات، ولا يبقى ما يجعل الناس شعباً واحداً.

هذه ليست دعوة إلى قناة وأغنية وخبر واحد، فذاك ظرف لزمن مضى، لكنها دعوة ليبحث الناس عن دقائق تجمعهم على شيء واحد، فالمشترك لا يظهر بقرار، إنما يظهر عندما يجلس الناس إلى شيء واحد ولو دقائق كل يوم أو ساعة في الأسبوع.