بعد التطورات الأخيرة في اليمن وعودة جماعة الحوثي المدعومة من إيران لمهاجمة المملكة العربية السعودية، رغم الهدوء الذي أعقب هدنة العام 2022، أصبح المشهد الناشئ منذ 7 أكتوبر 2023 في الشرق الأوسط واضحاً بشكل لا لبس فيه: صراع بين شرعية الدول والجهات الفاعلة من غيرها!

لم تكن المنطقة بعيدة عن السلاح المنفلت خارج إطار الدولة؛ فأكثر من ربع سكان العالم العربي البالغ عددهم نحو 400 مليون نسمة، يعيشون في دول تعجز حكوماتها عن كبح الجماعات المسلحة، وفقاً لتقرير نشرته مجلة «الإيكونوميست» البريطانية في أبريل العام 2024.

لقد عاشت المنطقة عقوداً من صراع يتمثل جوهره في وجود جماعات مسلحة لديها غالباً ولاءات خارجية، وتعمل في إطار غير قانوني خارج نطاق الحكومات المعترف بها دولياً، والتي تحكمها مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني إلى حد كبير.

وفي جميع أنحاء المنطقة، تسعى الحكومات الشرعية إلى الحفاظ على الاستقرار وإعادة بناء اقتصاداتها وتهيئة الظروف الملائمة للتنمية لصالح شعوبها، حيث تعتمد جهودها على مؤسسات قادرة على توفير الأمن وتقديم الخدمات العامة وتمثيل بلدانها أمام المجتمع الدولي.

ورغم أن هذه الحكومات ليست بمنأى عن الانتقاد، فإن شرعيتها تستند إلى قاعدة أساسية لأي سلام مستدام: وهو أن القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد يجب أن تُتخذ عبر المؤسسات الوطنية، لا أن تُفرض بحكم الأمر الواقع من قبل ميليشيات مارقة.

وبعكس دول الخليج العربي التي دعمت استقرار الدول الشقيقة عبر مؤسساتها الرسمية إيماناً منها بأهمية السلام والاستثمار في الإنسان، انتهجت إيران نموذجاً مغايراً على مدى عقود؛ يقوم على دعمها لجماعات مسلحة في دول المنطقة من العراق إلى اليمن، مما ساهم في خلق مراكز قوى تنافس الحكومات الوطنية وتعمل على تقويض سلطتها.

ورغم أن هذه الجماعات قد تقدم نفسها على أنها المدافعة عن قضية مركزية ما في محاولة لكسب التعاطف الشعبي، فإنها -بامتلاكها أسلحة وهياكل قيادية ودعم مالي وأجندات سياسية مستقلة- تُضعف الدولة التي تتواجد على أراضيها.

والنتيجة هنا هي قيام «دولة داخل الدولة»، وما يترتب على ذلك من مصدر دائم لعدم الاستقرار وتعطيل جهود التنمية التي تسهم في نهاية المطاف برفاه الشعوب.

ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي كان متقاعساً عن التصدي للمشروع الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة، رغم التحذيرات المتكررة من دول الخليج العربي، حيث عملت القوى الكبرى الفاعلة في العالم لمعالجة الأعراض وشراء الهدوء المؤقت بدلاً من حل المشكلة من الجذور، مما يجعل الجميع اليوم يدفع ثمن تلك الفوضى التي أحدثتها الميليشيات المسلحة بعد سنوات من الاستثمار الإيراني في الدمار.

لا يمكن لطهران أن تحتكم للقانون الدولي للدفاع عن نفسها من جهة، ثم تتجاهل من جهة أخرى كل ذلك حين تصدّر للمنطقة الخراب عن طريق دعم تلك الجماعات واعتبارها جهات فاعلة سياسياً وعسكرياً في دولها، ومن هذا المنطلق يتوجب على العالم بأسره مواجهة سلوك النظام الإيراني واتخاذ ما يلزم من إجراءات دبلوماسياً وقانونياً بل وحتى عسكرياً، في إطار ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

لقد بات الخيار الماثل أمام المنطقة حتمياً لا مناص منه: إما دعم وتقوية المؤسسات الشرعية في مساعيها لتأمين بلدانها، أو السماح للجماعات المسلحة -المدعومة بأجندات خارجية- بمواصلة العبث بمقدرات الدول وذلك بمنأى عن أي مساءلة حقيقية لها ولمن يقف خلفها.

إن المجتمع الدولي والقوى الكبرى مطالبة بالوقوف دعماً للنظام العالمي والشرعية الدولية، فالأمر يتطلب مبدأً واضحاً: يجب أن تظل الدولة هي صاحبة السلطة الوحيدة في حيازة السلاح واتخاذ القرارات الوطنية، لاسيما في حالات السلم والحرب.

ودون ذلك المبدأ، ستظل المنطقة عالقة في صراعات لا نهاية تلوح لها في الأفق، وستبقى الدول الشرعية أيضاً تكافح للحفاظ على سيادتها وأمنها من ذلك السلوك الفوضوي الذي انتهجته طهران منذ 47 عاماً.