حين أُقيمت جائزة البحرين الكبرى للفورمولا 1 هذا العام في ماليزيا، لم تفقد الجائزة هويتها البحرينية بابتعادها عن حلبة الصخير، بل منحت مملكة البحرين فرصة مختلفة لتقديم نفسها إلى جمهور دولي جديد.

فقد ارتبط اسم البحرين بما هو أبعد من السباق ونتائجه، إذ رافقته ثقافتها وموروثها وكرم أهلها وكفاءة أبنائها. لذا يمكن النظر إلى ما تحقق في سيبانغ باعتباره مكسباً مهماً للصورة الذهنية للبحرين عالمياً، بعدما قدمت البحرين نفسها كدولة حديثة ومنفتحة على العالم، وفي الوقت نفسه شديدة الاعتزاز بتاريخها وإرثها وهويتها الوطنية.

وكان صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء أول من جسّد هذا الاعتزاز، إذ اختار سموه أن يرتدي الزيّ البحريني الرسمي الأصيل خلال وجوده في حلبة سيبانغ.

وظهر سموه بملامح ثقافته الوطنية في بيئة تمثل أحدث ما وصلت إليه صناعة السيارات والتكنولوجيا الرياضية، في تلاقٍ لافت بين الأصالة والحداثة. وكذلك الأمر خلال مراسم تتويج الفائزين.

وهكذا اجتمعت تفاصيل الزي التقليدي لتقدم صورة قائد يعتز بإرث وطنه وتاريخ بلاده، كما حملت معنى أعمق يعكس نهج مملكة البحرين في الجمع بين الاعتزاز بإرثها الوطني ومواصلة مسيرتها نحو التقدم والحداثة.

وامتدت هذه الرسالة من القيادة إلى الفعاليات المصاحبة، حيث جاءت «قرية البحرين» لتقدم للجمهور الدولي تجربة منبثقة من ثقافة المملكة.

فالخط العربي والخوص والفخار وصناعة القوارب ومصائد الأسماك وغيرها من الحرف نقلت جانباً من ذاكرة المجتمع البحريني، فيما قدمت الحلوى واللقيمات والشاي التقليدي مذاقاً من ثقافة الضيافة البحرينية.

كما حملت طريقة استقبال الضيوف قيمة متأصلة في المجتمع البحريني، وهي الكرم. وبذلك أصبح التراث وسيلة تواصل مع الجمهور العالمي.

وهنا تكمن القيمة الأعمق للحدث، فقد استخدمت البحرين الرياضة لتعزيز القوة الناعمة وصورتها الذهنية دولياً، وربطت اسمها بمعانٍ تتجاوز القدرة على تنظيم سباقات السيارات.

فقد قدمت نفسها كمملكة لديها خبرة رياضية وتنظيمية راسخة، كما قدمت مجتمعاً له شخصيته الثقافية وموروثه وكرمه، وهي عناصر تمنح اسم الدول بعداً إنسانياً أعمق.

فالصورة الدولية الناجحة لا تُبنى بالمنشآت والفعاليات الكبرى وحدها، وإنما تحتاج إلى هوية مميزة تمنح الدولة شخصيتها بين الآخرين.

كما أضاف فريق البحرين والمؤسسات الوطنية المشاركة بُعداً مهماً لهذه الصورة، إذ عكست مشاركتهم مستوى الكفاءة المهنية التي وصلت إليها الكوادر والمؤسسات البحرينية وقدرتها على العمل ضمن فعالية دولية كبرى خارج المملكة.

ولعل المكسب الأهم أن «إقامة السباق بعيداً عن الصخير» أكد على أن السباق تجاوز ارتباطه بالمكان، وأصبح اسماً دولياً قادراً على حمل هوية البحرين معه أينما أُقيم.