العلاقات الحقيقية بين الدول الشقيقة لا تستند إلى اتفاقيات أو لقاءات أو حتى بيانات أو مؤتمرات دبلوماسية، العلاقات الراسخة أعمق من ذلك تصنعها الذاكرة المشتركة وترسّخها المواقف وتحفظها قلوب الشعوب قبل أن توثّقها السجلات الرسمية، وحين تحل التحديات تتجلى القيمة الحقيقية لهذه العلاقات، وتصبح المواقف الصادقة أبلغ من آلاف الكلمات.
الإشادة الملكية السامية التي تضمّنها خطاب حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، خلال افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب، بالامتنان لدولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، بقيادة أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، تقديراً لمواقفها الأخوية العظيمة وتضامنها المستمر مع مملكة البحرين في أوقات الشدة والرخاء، جاءت لتؤكد تلك العلاقة الحقيقية الراسخة منذ عهد أب الجميع المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، باني النهضة ومؤسس الدولة، لذلك لم تكن تلك الكلمات مجرد إشادة عابرة، بل حملت دلالة تتجاوز المناسبة، لتؤكد أن العلاقات البحرينية الإماراتية تستند إلى إرث تاريخي متين، وأن وحدة المصير ليست مجرد شعارات، بل مبدأ يتجسّد في المواقف والعمل والتنسيق والتكامل.
وفي قلب هذه العلاقة، وعيٌ جيد بأن قوة التلاحم لا تُقاس بحجم المصالح وحدها، بل أيضاً بمدى الثبات على روابط الأخوّة، والحرص على أمن الأشقاء، والعمل المشترك لحماية مكتسبات دول المنطقة، فعندما نتحدث عن الإمارات، لا يمكن أن نغفل تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الذي ارتبط اسمه بمسيرة تطوير العمل الحكومي، وتعزيز الابتكار، وترسيخ ثقافة الإنجاز، وتحويل الطموحات إلى مشروعات ومبادرات تستهدف المستقبل، فبينما يعبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عن قيادة الدولة على مستوى الرؤية الوطنية والعلاقات الاستراتيجية، يجسّد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم جانباً بارزاً من تجربة تطوير الحكومة والإدارة والتنمية في دولة الإمارات، في إطار عمل مؤسسي تتكامل فيه الأدوار والمسؤوليات.
إن استحضار التجربة الإماراتية لا ينفصل عن خصوصية العلاقة التي تجمع البلدين الشقيقين، ولا عن تاريخ من التواصل والتعاون بين قيادتيهما وشعبيهما، فالبحرين والإمارات ليستا مجرد دولتين تجمعهما الجغرافيا الخليجية، بل شريكتان في منظومة إقليمية تتطلب مزيداً من التنسيق في مجالات الأمن والاقتصاد والاستثمار والتعليم والتكنولوجيا، وتستدعي تبادل التجارب الناجحة بما يعود بالنفع على المواطن الخليجي.
إن الرسالة الأهم التي يمكن أن نقرأها في خطاب جلالة الملك المعظم هي أن الأخوّة الخليجية تزداد رسوخاً حين تتحوّل إلى ممارسة عملية، وأن تقدير مواقف الأشقاء ليس مجاملة سياسية، بل تعبير عن ثقافة وفاء تعرف قيمة الموقف وتحفظ لأصحابه مكانتهم، وهي رسالة تتسع لتشمل ضرورة الانتقال بالعلاقات الخليجية من متانة الروابط إلى تعميق التكامل، ومن التوافق على الأهداف إلى تسريع تنفيذ المشروعات المشتركة.
لقد علّمتنا التجارب أن الدول التي تتطلّع إلى المستقبل تحتفي بماضيها لتستمد منه الثقة لمواجهة تحديات حاضرها وصناعة غدها، والإمارات بما تمتلكه من تجربة تنموية ومؤسساتية، وبما يجمعها بالبحرين من روابط تاريخية ومواقف متبادلة، تقدّم مساحة واسعة لتعزيز التعاون وتوسيع الشراكات وتبادل الخبرات.
باختصار، تبقى الكلمات الملكية السامية مناسبة لتجديد التذكير بأن العلاقات الأصيلة لا تحتاج إلى كثير من الشرح حين تتحدث المواقف نيابة عنها، وكل الشكر والتقدير لدولة الإمارات العربية المتحدة قيادةً وحكومةً وشعباً، على ما عبّر عنه جلالة الملك من تقدير لمواقفها الأخوية، سائلين الله أن يحفظ البحرين والإمارات وسائر دول الخليج، وأن يُديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والازدهار، وأن تبقى العلاقات البحرينية الإماراتية أساساً لوحدة الصف وقوة الموقف وصناعة المستقبل.