بعد ما يزيد قليلاً عن سنة من الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة الأممية في اليمن العام 2022، توصلت الدول الغربية لقناعة متأخرة مفادها أن جماعة الحوثي ليست مسألة يمنية خالصة ولا تحدياً منفرداً للمملكة العربية السعودية فقط؛ بل تجاوز تهديدها محيطها الإقليمي بعد أن عرقلت حركة الملاحة في مضيق باب المندب، وتسببت في اضطرابات لسلاسل الإمداد في شريان مائي حيوي يمر عبره 12% من التجارة العالمية، مما رفع تكلفة الشحن التجاري.

ولاحقاً، تدخلت الولايات المتحدة مرتين وعبر إدارتين مختلفتين «جو بايدن ودونالد ترامب»، بشن ضربات ضد الجماعة المدعومة من إيران، كما فعلت إسرائيل الشيء ذاته بعد أن قامت هذه الميليشيا بمحاولة استهداف الدولة العبرية.

ومما يؤكد الإدراك الغربي المتأخر لخطورة هذه الميليشيا هو إطلاق الاتحاد الأوروبي في فبراير العام 2024 لعملية «أسبيدس» العسكرية لحماية الملاحة الدولية وضمان أمن السفن في البحر الأحمر وخليج عدن.

لكن المتتبع لصعود هذه الحركة في اليمن يدرك أن الغرب بإدراكه التهديد الحوثي متأخراً أسهم في وصولنا اليوم للوضع الراهن، لاسيما وأن الجهات الفاعلة من غير الدول وتحديداً تلك التي تحركها أيديولوجيات دينية، ستستغل أي هدوء أو تفاهم سياسي لإعادة التموضع والتسليح والتدريب استعداداً لجولة أخرى من القتال.

في العام 2018 عندما كانت القوات التابعة للحكومة الشرعية تقترب من مدينة الحديدة المطلة على البحر الأحمر، مارست المملكة المتحدة بدعم من المجتمع الدولي ضغوطات هائلة على الحكومة الشرعية في اليمن لوقف عملية عسكرية كادت أن تدفع الحوثيين خارج الساحل الغربي لليمن.

وعوضاً عن ذلك، توسطت الأمم المتحدة لهدنة جزئية في اليمن فيما عرف باتفاقية ستوكهولم، التي حظيت بدعم كبير من المجتمع الدولي.

لكن هذه الاتفاقية الهشة أتاحت مساحة للحوثيين لالتقاط الأنفاس بعد حصار على المدينة الساحلية كان يمكن أن يحررها لو استمرت المعركة آنذاك، مما جعل الجماعة تعيد تنظيم صفوفها وتسليحها قبل أن ترتكب عشرات الانتهاكات لتلك الاتفافية، واستولت لاحقاً على ثلاث محافظات جديدة، بل وصلوا لتهديد مأرب، التي بقيت آخر معاقل الشرعية في شمال البلاد.

في المحصلة، كشفت سياسة الاحتواء الغربية عن هشاشتها في أكثر من مناسبة، فالحوثيون ينظرون إلى أي تفاهم على أنه مجرد استراحة محارب، وأن القوة هي السبيل الوحيد لتثبيت سلطتهم غير الشرعية في بلد مزقته الحرب.

كما أن ارتباط الجماعة بإيران يجعل حساباتها متصلة بتوازنات تتجاوز اليمن نفسه، حيث تتيح تحركاتها لأطراف دولية أخرى فرصة ثمينة لإضعاف التحالفات الغربية، مما يجعل هذه المسألة ملحة للغرب.

كل تلك المعطيات، تشير إلى أن الحلول الدبلوماسية إذا جاءت دون ضغط وضمانات واضحة، لن تكون ذات جدوى مع جماعة مسلحة تحركها أيديولوجيا متطرفة.

فمثل هذه الحركات الإرهابية لا تغيّر سلوكها بالتنازلات وحدها، بل قد تستثمرها لتعزيز نفوذها وقدراتها الميدانية والعسكرية.

ولا يعني ذلك استحالة الوصول إلى تسوية سياسية مستقبلية، لكن أي تسوية تقوم على سياسية الاسترضاء ولا تردع الحوثيين ولا تضمن تنفيذ التزاماتهم على الأرض قد تمنحهم فرصة جديدة لتقوية أنفسهم وإطالة أمد صراع لطالما بحثوا عن إشعاله.

اليوم أمام الدول الغربية مسؤولية أخلاقية وسياسية تقتضي العمل جنباً إلى جنب مع السعودية لمواجهة التهديدات الحوثية الإرهابية التي طالت البلاد والعباد دون استثناء، بما في ذلك مقدسات المسلمين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، فهذه الجماعة تعمل وفق منطق أن ليس لديها شيء لتخسره عندما تمارس هذا السلوك المنفلت، بل ترى ذلك أمراً إيجابياً يقدمها على أنها قوة فاعلة في المنطقة ويبعد عنها الضغوطات الشعبية الداخلية.