أقدمت صحيفة "واشنطن بوست"، المملوكة للملياردير الأميركي جيف بيزوس، صباح الأربعاء، على تسريح نحو واحد من كل ثلاثة موظفين في مختلف أقسامها، في خطوة قاسية تضرب غرفة أخبار وصلت إلى "نقطة الانكسار"، بحسب وصف عاملين في الصحيفة.
ولم يدل بيزوس بأي تعليق فوري على إجراءات التقليص، التي تأتي في إطار ضغوط يمارسها على إدارة الصحيفة لإعادتها إلى الربحية. غير أن عددا من الصحفيين انتقدوا نهجه، وشككوا في دوافعه، معتبرين أن ما يجري يتجاوز الحسابات المالية.
وقال المدقق السابق في الصحيفة غلين كيسلر في مقال حديث: "بيزوس لا يحاول إنقاذ واشنطن بوست، بل يحاول النجاة من دونالد ترامب"، في إشارة إلى العلاقة المعقدة بين بيزوس وإدارة الرئيس الأميركي، وكذلك بين شركة أمازون، التي أسسها، والحكومة الأميركية.
رسالة للموظفين
وأُبلغ الموظفين، صباح الأربعاء، بـ"البقاء في منازلهم"، بينما بدأت الإدارة إرسال إشعارات التسريح.
وقال رئيس التحرير التنفيذي مات موراي، في مذكرة داخلية، إن الإجراءات "تشمل تخفيضات كبيرة في غرفة الأخبار تطال معظم أقسام التغطية".
وبحسب مصادر داخل الصحيفة، شملت الاقتطاعات تقليصا حادا لقسم الشؤون المحلية (مترو)، وإغلاق معظم قسم الرياضة، وإلغاء قسم الكتب، ووقف البودكاست اليومي "بوست ربورتس"، إلى جانب تقليص ملحوظ للتغطية الدولية، مع الإبقاء على بعض المكاتب الخارجية بحضور "استراتيجي" محدود. كما طالت التخفيضات الجانب التجاري من عمليات الصحيفة المتعثرة.
ونقلت شبكة "سي إن إن" عن موراي قوله إن "إعادة الهيكلة ستساعد على تأمين مستقبل الصحيفة وخدمة رسالتها الصحفية وتوفير الاستقرار"، إلا أن كثيرا من الموظفين قابلوا هذا التبرير بالتشكيك.
جنازة تلو الأخرى
ووصفت الكاتبة والموظفة السابقة في الصحيفة سالي كوين الأجواء داخل المؤسسة بأنها "جنازة تلو الأخرى"، وقالت لشبكة (سي إن إن) إن الأمر "مفجع"، مضيفة أن "غياب الصحفيين المتميزين يعني غياب المحتوى الجيد، ومن سيشتري الصحيفة حينها؟".
وعبر صحفيون مسرحون عن غضبهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب مراسلة أمازون في الصحيفة كارولاين أودونوفان على منصة إكس: "أنا خارج، ومعي عدد كبير من أفضل الصحفيين في المهنة. الأمر فظيع".
فيما قال مراسل شؤون العرق والهوية إيمانويل فيلتون إن القرار "لم يكن ماليا، بل أيديولوجيا"، بعد أشهر من تأكيد الإدارة أن هذا النوع من التغطيات يدعم الاشتراكات.
وكان ناشر الصحيفة، ويل لويس، قد تحدث في وقت سابق عن خطة للعودة إلى الربحية عبر تركيز الاستثمارات على السياسة وبعض المجالات الأساسية، مقابل تقليص أقسام مثل الرياضة والشؤون الخارجية. ودفع ذلك مجموعات من الصحفيين إلى توجيه رسائل لبيزوس يحذرون فيها من تداعيات تقليص غرفة الأخبار على جودة العمل الصحفي.
مذكرة داخلية
وفي مذكرة عامة للموظفين، قال موراي إن الصحيفة ستركز في المرحلة المقبلة على مجالات تشمل السياسة والشؤون الوطنية والأمن القومي، إضافة إلى العلوم والصحة والتكنولوجيا والمناخ والأعمال، والتحقيقات الاستقصائية، والمحتوى الذي "يمكن القراء من اتخاذ قرارات".
من جانبه، وصف رئيس التحرير التنفيذي السابق للصحيفة، مارتي بارون، ما جرى بأنه "من أحلك الأيام في تاريخ واحدة من أعظم المؤسسات الصحفية في العالم".
وأقر بوجود مشكلات تجارية حقيقية، لكنه قال إن هذه التحديات "تفاقمت بسبب قرارات سيئة صدرت من أعلى المستويات".
وأشار بارون إلى أن مئات آلاف المشتركين غادروا الصحيفة، لافتا إلى قرار بيزوس في أواخر 2024 إلغاء افتتاحية كانت تعتزم دعم المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، وهو قرار أدى، رغم انفصاله عن العمل التحريري اليومي، إلى موجة إلغاءات أضرت بالإيرادات.
وختم بارون بالقول إن بيزوس كان يعتبر نجاح واشنطن بوست "واحدا من أعظم إنجازات حياته"، مضيفا: "أتمنى لو لمست الروح نفسها اليوم... لكن لا أثر لها".