* في كتاب مناقب الإمام الشافعي للبيهقي، قال الإمام الشافعي: «انفض عنك غبار الناس؛ فإنك لو أصبتَ في تسعٍ وتسعين، وأخطأتَ في واحدة، ترك الناس ما أصبتَ وأسرّوه، وأخذوا ما أخطأتَ وأعلنوه». هكذا هم الناس، وهكذا من يبتغي أن يرفع من يُحبّه، حتى وإن أخطأ مئات المرات؛ لأنه يسير على هواه، وينقل له ما يريد. وخلاف ذلك، فإنه يدفع ويجرح من لا يكون على شاكلته، وإن كان متقناً، مجيداً، بارعاً في مجال عمله؛ فهو يرى الزلّة البسيطة -وإن كانت مصطنعة في كثير من الأحيان، أو مكذوبة- من الأشياء الكبيرة التي تعزل كل الكيان الإيجابي، وحجم الإنجازات الهائلة لصاحبها. لذا فإن المرء في مثل هذه الأمور عليه أن ينفض غبار أهواء الناس، وغبار أحاديثهم المزعجة، ويتفرغ لنفسه ولأثر عطائه.

* كنا نتحدث عن حجم الإنجازات التي تمت في يومٍ ما في مساحات العمل الإنساني، مع ثلّةٍ من المنجزين الذين جمعتني بهم مساحات جميلة من العطاء الإنساني. تحدثنا حينها عن أصولٍ وثوابت ساهمت في إنجاح الأعمال، وفي بيان الأثر الجميل للعطاء الذي نتمناه. تحدثنا عن الإخلاص وصدق النوايا، واعتبرناه عاملاً حاسماً في إنجاح أعمالنا؛ إذ ابتغينا أن تكون كل أعمالنا خالصة لوجه الله تعالى، ونزنها في ميزان رضا المولى الكريم. ثم الإحسان، ونؤكد على الإحسان في كل مقام؛ لأنه من ثوابت عمل الإنسان في الحياة، وخاصة في مجالات الأعمال التي تتطلب إنجازاً، وهمّةً، وعطاءً، وأثراً. وثالث هذه الثوابت التفكير المستمر في التطوير، وأن يكون للمرء بصمة مؤثرة في كل حين، ومبادراً، وقيمةً أصيلةً للعمل الذي يقوم به، اليوم قبل الغد. فبدون تلك الثوابت لا تنجح الأعمال، ولا ترتقي، ويخلو العمل من البركة والتقدم والنجاح؛ لأن ميدان العمل حينها يُبنى على عكس تلك الثوابت: على القيل والقال، ونقل الكلام، والمشي في الغيبة والنميمة، والتذمر، والتسلق المذموم، وإساءة الظنون، وعدم الثقة، والضرب بمكيالين للمنجزين المبدعين خوفاً من ارتقائهم.

* الأعمال لا تنهض إلا على سواعد المخلصين الذين نذروا حياتهم لله وحده، وركزوا على جودة الأعمال، وأفكار التطوير، والنهوض، والازدهار، وآمنوا بقدرات غيرهم، ولم يخوضوا في متاهات الألوان الصغيرة، بل وكلوها لأهل الاختصاص، وللمخضرمين في ميدان العمل، وتفرغوا هم لما هو أهم في انتشال الوضع المحطم إلى مرحلة العطاء المؤثر.

* لو انتبه كل واحدٍ منا لنفسه، وانتبه لثواب أثر عطائه، لاستطعنا أن نصل إلى مراتب التقدم والنجاح والتميز في وقتٍ قياسي، ولعشنا في بيئة صحية مميزة، بعيدة عن التقولات الباطلة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يُبصر أحدكم القذى في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه».

فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذر من انشغال المرء بعيوب الآخرين، وترك الانشغال بعيوب نفسه، لما في ذلك من أثر سلبي على المجتمع، وعلى التطوير، وسلامة النفوس من الضغائن. فالقذى هنا ما يقع في العين من ترابٍ وغيره، والجذع هو الخشبة الكبيرة العالية في عينه. لو أبصر كل واحدٍ منا عيوب نفسه وأصلحها، لخلت مجتمعاتنا من الأمراض النفسية، وخلت المجالس من أمراض الغيبة والنفاق. فأثر العطاء لن يستمر إن لم تتأدب النفوس بهذا الأدب النبوي الرفيع.

* البعض يرى أن العطاء «كرسي» يجلس عليه، وأوامر يأمر بها غيره، وأثر ظلالٍ يتبختر بها بين الناس؛ فهو لا يكلّف نفسه أن يصنع أثراً مقاساً فعلياً في كل ميدان تطأ فيه قدمه: في بيته، وعمله، وبين أصحابه. فإن سألته: ماذا أنجزت؟ وماذا قدمت خلال شهرٍ مضى؟ فلا تجد ما يشفع له بأن يكون شخصاً مؤثراً في ميدانه، بل مجرد جسدٍ خاوٍ من الإحساس، ومن حب العطاء. بل تراه يشغل نفسه في المهاترات، وتضييع وقته في المسائل غير المجدية، وإنجاز أمور شخصية ليس لها أي اعتبار في ميدان عمله الذي يبتغي منه الأجر والمثوبة. إنما العطاء أثرٌ وتأثيرٌ متبادل، وأفكار تسهم في التطوير، ويحتاج إلى سواعد مترابطة، وقلوب متآلفة، ورؤية موحدة، ونفوس تتوق لنجاحها جميعاً في ميدان العمل. عطاءٌ يتحدث عن النجاح والتميز وأثر العطاء، لا عن متابعة حجم الاستقبال، وسعة موقف السيارة، وحجم المميزات!

* استمر في صنع أثر عطائك؛ فالحياة قصيرة. ولا تلتفت لأي إغراءات، أو متاهات، أو إزعاجات بعض البشر، ولا تهدر أوقاتك في تلك المنغصات والهوامش المزرية. بل كن على موعدٍ متجددٍ بأن تقدم الخير الذي تبتغيه في كل خطوة تخطوها في المسير، ولا تلتفت لأي عراقيل، أو تفكيرٍ عقيمٍ عند البعض. فقد نشأتَ على حب الخير، وحب الأثر الجميل، وحب العطاء في هذه الحياة؛ تعطي دون أن تنتظر شكر أحد، وتقدم دون أن تنتظر تصفيقهم؛ لأنك نذرت نفسك لله تعالى وحده، وابتغيت أن يكون مرادك وغايتك منزلة الفردوس الأعلى. ووحدها تكفي، ورضا الله تعالى وحده يكفي، ومن أجل ذلك فلنعمل بأثرٍ ملموسٍ جميل.

ومضة أمل

الحياة محطات، وكل محطة لها أثرها وتفكيرها الخاص، وفيها يتم تمحيص الأفراد، والأعمال، والنتائج؛ فتعود الأمور إلى نصابها، وتظهر حقيقة بعض النفوس المريضة، التي كان همّها أن تتسلق حبال التقدم بلا نتاجٍ حقيقي، بل على أهواء معتقداتها. «فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»؛ فالحق والخير يبقيان في نهاية المطاف.