يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)، الأنعام: 153، فالتخطيط الاقتصادي الإسلامي يهدف إلى أن يجد كل مسلم ما يكفيه من مال، فحرم الربا وأحل الزكاة، تُؤخذ من أموال الأغنياء، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، التوبة: 103، وتوزع على الفقراء من أبناء المجتمع. وهكذا اهتم هذا النوع من التخطيط بتحقيق التكافل والتوازن الاقتصادي بين أفراد المجتمع الإسلامي، وذلك لضمان حد الكفاية لكل فرد فيه.

كما يهتم التخطيط الإداري بحسن إدارة الدولة الإسلامية، عن طريق استخدام الوسائل والموارد المتاحة، لتحقيق الأهداف، وترتبط السياسات بالأهداف ارتباطاً وثيقاً، وتتميز السياسة في الإسلام بالاستقرار والوضوح لأنها سياسة شرعية، ولا سياسة في الإسلام إلا ما وافق الشرع. وهذا الاستقرار والوضوح يؤديان إلى وضوح الخطط وسهولة تنفيذها. وهو ما يساعد على نجاح الخطط وتحقيقها لأهدافها.

لقد ضرب الله في القرآن الكريم مثلاً للتخطيط السليم الذي قام على أسس منطقية فأمكن بذلك تلافي مجاعة كانت تهدد الناس جميعاً بالهلاك، بسبب التخطيط السليم الذي قام به سيدنا يوسف عليه السلام وهو أمين على الخزائن - وذلك حين فسر الرؤيا التي جاءت على لسان ملك مصر في قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ)، يوسف: 43، وتولى يوسف عليه السلام تفسير الرؤيا فقال: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ)، يوسف: 47.

فالإسلام ليس من صنع فكر البشر، فهو من وضع الحق سبحانه وتعالى، والحق هو الخير المطلق والكمال المطلق، وحين يعرض فكرة من فكر الخير للبشرية فإنه يعرضها عرض العالم أولاً وعرض الحكيم ثانياً وعرض القادر ثالثاً لأنه خلق الكون والإنسان فهو إذ يقنن لذلك يقنن بالكمال المطلق الذي لا يستدرك عليه أبداً.. (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، المائدة: 15- 16.

إذن فما أغنانا أن نضع الإسلام والفكر الإسلامي أمام فكر معاصر من اجتهاد البشر لنقارنه به. ذلك لأن معنى جعل الفكر البشري مقابلا للإسلام لنُقيم مقارنة بينهما أننا رفعنا الفكر البشري إلى مرتبة الفكر الرباني، ولا يسعدنا في هذه المقارنة أن ينتصر الإسلام على الفكر البشري لأن انتصاره على فكر بشري لا يعطيه ميزة جديدة كان يفتقدها. غير أن منطلق الحياة التي نعيشها والنظم التي تحكمنا والأفكار الغربية التي غزتنا ووسائل إعلامها ودعايتها ونشرها التي تهيأت لها من جهة وخلو أذهان ونفوس المسلمين من معرفة معدن الإسلام من جهة أخرى هي التي اضطرتنا إلى أن نقارن بين الإسلام والفكر المعاصر ثم ننعت الفكر الإسلامي بنعوت هي في الواقع من صميم معدنه ولكنا نعزوها للأفكار المعاصرة، فمثلاً أن الإسلام اشتراكي الاقتصاد أو ديموقراطي الحكم والمنهج أو أن الإدارة في الإسلام أقرب إلى حركة العلاقات الإنسانية منها إلى حركة الإدارة العلمية. في حين أننا لو أمعنا النظر في الفكر الإسلامي في أي مجال من مجالاته الاقتصادية أو الإدارية أو الاجتماعية فسنجد منهاجاً متكاملاً للحياة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً)، المائدة: 3، ألا وهو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبداً، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبداً. فهو يحتوي على كل الخير الذي جاءت به النظريات المعاصرة الحديثة. وهذا لا يعني أننا نغبط فكراً معاصراً حقه في الإتيان برأي اقتصادي صائب أو فكرة في الحكم تتناسب وأوضاعه ولكن إذا كان في الإسلام ما يحقق للمجتمع المسلم اقتصاداً متميزاً أو إدارة متميزة أو اجتماعاً متميزاً فلماذا لا نقول: ذلك هو الإسلام؟ وهنا لابد من إرجاع الأمر إلى أصحاب الاختصاص والمختصين في الدين وغيرهم من المفكرين والعلماء العارفين بالاقتصاد التطبيقي الواقعي وليس النظري التجريدي، قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، النساء: 83،

فعلى علماء المسلمين ومفكريهم في شتى المجالات العلمية دراسة هموم ومشكلات الدول الإسلامية الاقتصادية والاجتماعية والفكرية غيرها ووضع الحلول الناجعة لها. فقد نهج الإسلام في التخطيط بأنواعه المختلفة مبدأ الدراسة والتشاور مع أهل الرأي وأصحاب الحل والعقد في المجتمع عملا بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)، النحل: 43، ومبدأ الشورى في كل تخطيط يعمل -أمنياً أو عسكرياً أو مدنياً- يدل دلالة قوية على أن المسلمين يخططون لكل أمر ويدبرونه ويتشاورون فيه، وهذا يثبت أنهم لم يتبعوا العشوائية في خططهم.