في المشهد الثقافي الخليجي المعاصر، يحتل التراث الثقافي غير المادي موقعاً مركزياً في صياغة صورة الدول، وفي بناء سرديات الهوية، وفي تقديم التجربة المحلية للعالم ضمن إطار إنساني واسع، فعملية إدراج العناصر الثقافية في القوائم الدولية، وعلى رأسها قوائم "اليونسكو"، أصبح مساراً تعبيرياً عن الوعي بالذاكرة، وعن القدرة على تحويل الممارسة اليومية إلى خطاب ثقافي مفهوم بلغة العصر وهي من أنواع القوى الناعمة في عصرنا الحديث.

الخليج العربي اليوم يتحرّك في هذا الاتجاه بخطوات متسارعة، حيث تعيد دوله قراءة مخزونها الثقافي، وتعمل على تقديمه عبر ملفات وطنية وأخرى مشتركة تعبّر عن القواسم الحضارية الجامعة للمنطقة، وقد تجلّى هذا التوجّه في ملفات مشتركة عدّة، مثل الصقارة، والقهوة العربية، والنخلة، والخط العربي، وهي عناصر قُدّمت بوصفها ممارسات حيّة تتقاطع فيها الذاكرة المحلية مع الامتداد الإقليمي، وهذا المسار المشترك، إلى جانب الملفات الوطنية الخاصة بكل دولة، أوجد مساحة تنافس رمزي تتحوّل فيها الثقافة إلى أداة حضور، ويغدو التراث وسيلة لتعريف الذات الخليجية في عالم مفتوح، بلغة تجمع بين التاريخ والمعيش، وبين الرواية الشعبية والمعايير العلمية.

وضمن هذا السياق، تقف البحرين بوصفها بيئة ثقافية ذات تكوين خاص، فالجزيرة التي تشكّلت عبر البحر، والتجارة، والحِرَف، والأسواق، والمجالس، وفنون الصوت، أنتجت أنماطاً اجتماعية ومعرفية متداخلة، انتقلت بين الأجيال ضمن سياق طبيعي من الممارسة اليومية، وهذا التراكم منح المجتمع البحريني رصيداً غنياً من التراث غير المادي، القابل للتوثيق والتقديم ضمن ملفات متكاملة تعبّر عن عمق التجربة المحلية.

على سبيل المثال لا الحصر، الحلوى البحرينية تمثل أحد هذه العناصر ذات الكثافة الثقافية العالية، لما تحمله في تفاصيلها من معاني الزمن، والصبر، والمهارة، والضيافة، وإعدادها فعل جماعي يتقاطع فيه الإتقان مع الانتظار، وتتحوّل فيه المكونات البسيطة إلى طقس طويل يرتبط بالذاكرة قبل الذائقة، أدواتها التقليدية، من القدور النحاسية إلى طرق التحريك وضبط الحرارة، تشكّل جزءاً من المعرفة المتوارثة التي انتقلت بين الأجيال بوصفها ممارسة يومية ذات قيمة رمزية.

ارتبطت الحلوى البحرينية بمظاهر الفرح والاحتفاء؛ فهي حاضرة في الأعياد، والأعراس، والزيارات، والمناسبات الاجتماعية الكبرى، وترافق لحظات اللقاء بوصفها علامة ترحيب وتقدير، وجودها في المجلس يمنح اللحظة طابعها الخاص، ويعيد إنتاج معنى الكرم بوصفه سلوكاً اجتماعياً راسخاً في هذه المساحات، فتتحوّل الحلوى إلى لغة صامتة تعبّر عن الانتماء، وعن العلاقة الحميمة بين المكان وأهله.

ويتجاوز حضور الحلوى البحرينية حدود الداخل إلى الفضاء الأوسع؛ إذ أصبحت رمزاً ثقافياً يُحمل في السفر، وتُقدَّم بوصفها هدية تعريفية بالمكان، وفي كثير من الرحلات، يسبق السؤال عن الحلوى البحرينية أي حديث آخر، وكأنها بطاقة هوية ثقافية مختصرة، تحمل معها صورة البحرين وذاكرتها الاجتماعية، إن هذا الانتقال من المحلي إلى العابر للحدود يمنح الحلوى بعداً تمثيلياً، ويعكس قدرتها على أداء دور ثقافي يتجاوز الاستهلاك إلى التعريف والتمثيل.

بهذا المعنى، تخرج الحلوى البحرينية من إطار المنتج الغذائي، لتستقر في فضاء الممارسة الاجتماعية الحيّة، حيث تتداخل الذاكرة مع الفرح، والعادة مع الاحتفاء، والمطبخ مع الهوية، وهذا الحضور المتواصل ينسجم مع روح التراث غير المادي بوصفه معرفة حيّة تعيش داخل المجتمع، وتُمارَس، وتُتداول، وتُحمَل من مكان إلى آخر باعتبارها جزءاً من السرد الثقافي للبحرين.

ويمتد هذا الثراء إلى النسيج والحِرَف التقليدية، التي نشأت في تفاعل مباشر مع البيئة المحلية واحتياجات الناس، ويبرز النسيج البحريني هنا مرتبطاً ببيئات بعينها، من بينها منطقة بني جمرة التي شكّلت إحدى الحواضن التاريخية لهذه الحرفة، حيث تداخل العمل اليدوي مع الحياة اليومية، وتحولت الخيوط إلى تعبير بصري عن الذائقة المحلية، وهذا النسيج يعكس حساً جمالياً مرتبطاً بالوظيفة، ويحمل رموزاً تشكّلت عبر الزمن، واستقرّت في الذاكرة البصرية للمجتمع، وتظل هذه الحِرَف سجلاً صامتاً لعلاقة الإنسان بالمكان، ومادة حيّة لفهم أنماط العيش والتفكير التي تشكّلت حول العمل، والصبر، والاستمرارية.

أما صناعة السفن التقليدية، فهي عنوان مركزي في السرد البحريني، هذه الصناعة تجمع بين المعرفة التقنية، والخبرة المتراكمة، وتقسيم العمل، والمصطلحات الخاصة، والطقوس المرتبطة بالإبحار. السفينة هنا نتاج ثقافي متكامل، تختصر حكاية اقتصاد بحري، وتجربة إنسانية ارتبطت باللؤلؤ والتجارة والأسفار، فتوثيق هذا الإرث يفتح نافذة على منظومة معرفية شكّلت أساساً من أسس الهوية الوطنية.

ويمتد هذا البعد الحِرَفي إلى الفخار بوصفه أحد التعبيرات المبكرة عن علاقة الإنسان البحريني بالأرض، ويبرز حضوره متجذراً في قرية عالي التي ارتبط اسمها بهذه الصناعة عبر أجيال متعاقبة، في هذه الحرفة، تتحوّل التربة إلى أوعية للاستخدام اليومي، وتغدو النار عنصراً في تشكيل الشكل والوظيفة معاً، الفخار في عالي يحمل أثر اليد، وإيقاع العمل، ومعرفة متراكمة في التعامل مع المادة والزمن، حتى استقر في الذاكرة الجمعية بوصفه ممارسة مرتبطة بالحياة المنزلية والبيئة المحلية، هذا الإرث الحِرَفي يشكّل سجلاً بصرياً وإنسانياً لعلاقة المجتمع بالمكان، ويقدّم قراءة عميقة لأنماط العيش والتفكير التي تشكّلت حول الاستقرار، والموارد الطبيعية، واستدامة الممارسة.

جاء تسجيل فن الفجري على قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى اليونسكو بوصفه خطوة وعي ثقافي مهمّة، عكست قدرة الفنون الشعبية البحرينية على الانتقال من فضائها المحلي إلى حضور عالمي حين تتوافر الرؤية والعمل المؤسسي، وهذا الإنجاز، الذي قادته الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، قدّم نموذجاً واضحاً لكيفية تحويل الممارسة الصوتية المرتبطة بالبحر واللؤلؤ إلى ملف تراثي متكامل.

ويفتح إدراج الفجري بهذا الشكل أفقاً طبيعياً لمتابعة العمل على بقية فنون الصوت البحرينية، من فن الصوت إلى الخمّاري والفنون المرتبطة بالبحر والسمر، بوصفها منظومة صوتية متكاملة أسهمت في تشكيل الذائقة الموسيقية الخليجية، تجربة الفجري تقدّم مساراً يمكن البناء عليه لتوسيع حضور البحرين في قائمة التراث غير المادي، عبر عناصر تحمل العمق نفسه والتجذّر ذاته في الذاكرة الثقافية.

القضية هنا ترتبط بطريقة تحويل الممارسة الثقافية إلى ملف معرفي قادر على العبور إلى الفضاء الدولي، وهذا التحويل يحتاج عملاً مؤسسياً بقيادة الجهات المعنية مع مؤسسات المجتمع المدني، وتوثيقاً ميدانياً، وسرداً علمياً يراعي المعايير المعتمدة، ويقدّم العنصر بوصفه ممارسة حيّة متجذّرة في حياة المجتمع، هذا المسار يعزّز الحضور الثقافي، ويمنح الذاكرة المحلية مساحة أوسع في الخطاب العالمي.

التراث غير المادي اليوم يمثّل خطاب هوية معاصراً، تتقاطع فيه الذاكرة مع المستقبل، وتتحوّل فيه التفاصيل اليومية إلى رموز جامعة، والبحرين، بما تملكه من تنوّع وتجربة تاريخية متراكمة، تمتلك مادة ثقافية قادرة على صياغة حضور يعكس حقيقتها، ويقدّم قصتها بصوتها الخاص، وهذا الحضور يتشكّل حين تتحوّل الممارسة المألوفة إلى وعي ثقافي، وحين يُنظر إلى الحياة اليومية بوصفها حاملاً للذاكرة لا مجرد مشهد يومي عابر.

من هذا المنطلق، تتسع دائرة التراث القابل للتسجيل لتشمل اللؤلؤ البحريني بما يحمله من طقوس ومعرفة ومراسم، ومراسم العرس البحريني بما تختزنه من رموز اجتماعية، وثوب النشل وعباية الرأس بوصفهما تعبيرين بصريين عن الذائقة والهوية، إلى جانب عناصر كثيرة نعيشها بوصفها جزءاً طبيعياً من حياتنا، فهذه التفاصيل، في عمقها، تشكّل إرثاً تاريخياً حياً، جديراً بأن يُوثَّق، ويُصان، ويُقدَّم للعالم ضمن ذاكرة التراث الثقافي غير المادي، بوصفه جزءاً أصيلاً من حكاية البحرين، ومن ملامح الغد الذي يتشكّل على أرضها.