في كل مرة تطرح فيها أرقام الميزانية، أو تناقش إجراءات الإصلاح المالي يعود السؤال القديم الجديد إلى الواجهة كيف يمكن للدولة أن توازن بين معيشة الناس واستقرار الخزينة. في مملكة البحرين هذا السؤال لم يُترك للنقاش النظري، بل تُرجم إلى سياسات وبرامج وخيارات صعبة، لكنها محسوبة لأن كلفة التأجيل كانت ستكون أكبر من كلفة القرار.
منذ سنوات اختارت المملكة أن تمضي في مسار مزدوج يقوم على حماية المواطن وعدم تجاهل الواقع المالي. رؤية البحرين الاقتصادية 2030 وبرنامج التوازن المالي لم يكونا شعارات مرفوعة، بل أدوات عمل هدفت إلى ضمان الاستدامة دون المساس بجوهر العقد الاجتماعي القائم على رعاية الدولة لمواطنيها. لذلك لم يكن مستغرباً أن تذهب حصة كبيرة من الميزانية إلى الحماية الاجتماعية من دعم المتقاعدين إلى حساب المواطن إلى التعليم والعلاج والإسكان وهي ملفات تمس حياة الناس اليومية بصورة مباشرة.
لكن ربما هنا معظم الناس وبصورة طبيعية لا تعنيهم تفاصيل الميزانية ولا كيفية جمع الإيرادات ولا آلية توزيع بنود الصرف. ما يهمهم في النهاية أن يبقى دخلهم دون نقصان وأن لا يتراجع مستوى معيشتهم. هذا هاجس مفهوم، لكنه في الوقت نفسه يجعل كثيرين لا يدركون حجم التحديات ولا حجم العمل الكبير الذي تقوم به الدولة لضمان استمرار التدفق النقدي لدى الجميع. فهل يعلم الناس كم تبلغ النسبة التي تستحوذ عليها الرواتب والدعم المخصص للمواطنين من الميزانية العامة وهل يُطرح السؤال أحياناً عن كلفة الإبقاء على هذا الاستقرار في ظل تراجع الإيرادات وارتفاع الالتزامات.
الواقع المالي لا يخلو من الضغوط. تراجع أسعار النفط واتساع فجوة العجز وارتفاع الدين العام معطيات لا يمكن تجاوزها بالإنكار أو الخطاب العاطفي. البحرين كغيرها من الدول دفعت ثمن الاعتماد التاريخي على الإيرادات النفطية رغم النجاحات الواضحة في تنمية الموارد غير النفطية خلال السنوات الماضية. ولهذا جاءت الإصلاحات الأخيرة بما حملته من قرارات غير شعبية، لكنها ضرورية إذا كان الهدف هو استمرار الدعم لا توقفه وضمان قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها اليوم وبعد سنوات.
اللافت في التجربة البحرينية أن الإصلاح لم يُبنَ على تحميل المواطن العبء وحده، بل على مبدأ توزيع الكلفة بعدالة. الحفاظ على دعم الشرائح الأولى في السكن وزيادة الدعم الموجه للأسر منخفضة الدخل يقابله تصحيح في أسعار الخدمات المقدمة للشركات والأجانب وإعادة هيكلة الإنفاق الإداري وفرض ضرائب على أرباح الشركات ورفع مساهمة المؤسسات الحكومية في الإيرادات العامة. هي معادلة صعبة، لكنها أقرب ما تكون إلى الحد الأدنى من العدالة الممكنة.
في المحصلة ما يجري ليس مفاضلة بين المواطن والميزانية، بل محاولة جادة لحماية الاثنين معاً. فالدعم بلا توازن يستنزف المستقبل والتوازن بلا عدالة يهدد الاستقرار الاجتماعي. وبين هذين الحدّين تسير البحرين في طريق شاق، لكنه الطريق الوحيد الذي يضمن معيشة كريمة اليوم ودولة قادرة على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها غداً.