في الوقت الذي يزدادُ فيه القلق والهمّ، ويسيطرُ فيه الخوف واليأس على قلوب الناس مِنْ كثرة ما يشاهدون مِنْ أخبار النزاعات والحروب في العالم، والزيادة في أسعار السلع، وما يقرأونه من سيطرة الذكاء الاصطناعي والروبوتات على كثير من وظائف المستقبل، وانخفاض القوة الشرائية وزيادة الديون وغير ذلك من مظاهر الاضطراب، تشتدّ الحاجة إلى تعزيز السكينة والاستقرار النفسي ونشر الطمأنينة بين الناس.

فالسكينةُ إحدى الحاجات الفطرية للإنسان، وهي المحرّك الجوهري للقيام بواجبات الدين وعمارة الدنيا؛ إذ لا يستطيع الإنسان ممارسة أي نشاط ديني أو دنيوي بمعزلٍ عن السكينة والراحة والصفاء والهدوء والسلام الداخلي.

والسكينةُ منزلة مِنْ منازل العبودية لله تعالى، فيها اليقينُ والتّعلق بالله تعالى، فإذا أنس العبدُ بالله تعالى فتح عليه مِنَ الخيرات والبركات ما يطمئنّ به قلبه عند المخاوف والأزمات، وهي قرينة الإيمان وعلامة السعادة، وَجُنديّ من جنود الله، قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا» الفتح:4 ، يقول العلامة ابن القيم في كتابه مدارج السالكين (2/405):» وَأصلُ السكينة هي الطمأنينة والوقارُ والسكونُ الذي ينزله الله في قلب عبده، عِنْدَ اضطرابه مِنْ شِدّة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرِدُ عليه، ويُوجبُ له زيادة الإيمان وقوّة اليقين والثّبات».

وإذا كانت السكينة بهذه المنزلة العظيمة، فإن السّنة النّبوية جاءت بتطبيقات عمليّة لترسيخيها في حياة المسلم، فقد حثّ النبي صلى الله عليه بلزوم السكنية والتأني عند القدوم إلى الصلاة، ونهى عن الضجيج والاستعجال، فقال: «إذَا أتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعلَيْكُم بالسَّكِينَةِ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فَاتَكُمْ فأتِمّ» أخرجه البخاري: 635، كما أمر بلزوم السكينة وعدم المزاحمة عند أداء مناسك الحج فقال: «أيُّها النَّاسُ، علَيْكُم بالسَّكِينَةِ؛ فإنَّ البِرَّ ليسَ بالإِيضَاعِ»، أخرجه البخاري:1671.

والسكنيةُ حِلْيةُ المؤمن وَدِرعٌ تحصّن به الأنبياءُ والصالحون أمَاَم الفِتَنِ والمصاعب، فهي التي ثبّتتْ قلب إبراهيم حين ألقي في النار، وربطت جأش موسى عليه السلام عند مواجهة أقوى قوة في زمانه، ولازمتْ يوسف عليه السلام عند إلقائه في الجُبّ مِنْ قبل إخوانه، ونزلت على نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار حين محاصرة المشركين لهما.

والسكينة لا تُفرض بالقوة ولا تُشترى بالماديات، بل تنزل على القلوب حين يكونُ الإنسان مؤمناً بربّه، واثقاً بنصره، ومتوكّلاً عليه، فقد أدركها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ميدان الابتلاء بغزوة الخندق، واستظلّ بها أهل الكهف في الغار، ووجدها يونس عليه السلام في قاع البحر، ويجدها كلّ مؤمن صادق مهما عصفت به العواصف.

شمعة أخيرة

السكينةُ مصدرها الإيمان واليقين والتقوى، ومنبعها الخوف والخشية والإنابة، وقِوامها الصلاة والقناعة والرضا بقضاء الله، وإذا نزلت في قلب العبد جعلت منه في الناس رَجُلاً، وفي الرّجال بَطلاً، وَبينَ الأبطالِ قِصّة وحِكْمةً وَمثَلاً.