المروءة هي الالتزام بمحاسن الأخلاق والشّيم الحميدة مع النفس ومع الآخرين، وهي حليةُ النفوس وزينةُ الهِمَمِ كما قال الماوردي في كتابه أدب الدنيا والدين، وتُطلق على كلّ مبادرةٍ نافعة وموقفٍ جميل، وقد حثّ عليها القرآن الكريم ورَغّبَ فيها، فقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، «الأعراف: 99»، قال سفيان الثوري رحمه الله: «فيه المروءة وحُسنُ الأدبِ ومكارم الأخلاق».
وقد قيل في درجات المروءة: إنّ أوّل المروءة: طلاقة الوجه والبشاشةُ والبِشْر وبذلُ الجميل، كقول الشاعر:بشاشة وجه المرء خيرٌ مِنَ القِرىفكيفَ بِمَنْ يأتي به وهو ضاحك
والثانية: التّوددُ إلى الناس والأُلْفة إليهم، كما قال المتنبي:فهيّج مِنْ شوقي وَمَا مِنْ مذلّةٍحَننتُ ولكنّ الكريم ألوفٌ
والثالثة: قضاءُ حوائج الناس ومساعدتهم وإدخال السرور عليهم، كما قال أحمد محرم:والناس شتىّ في الخِلال وخيرُهممَنْ كانَ ذا فضلٍ وذا إيثار
ومِنْ مظاهر المروءة لدى الأنبياء عليهم السلام مَا أشارَ إليه القرآن الكريم مِنْ مبادرة موسى عليه السلام سقي الماء لبنات شعيب عليه السلام دون عِوَضٍ، وامتناعِ يوسف عليه السلام مِنْ تلبية طلبِ امرأة العزيز خوفاً مِنَ الله تعالى وحِفْظاً لجميل إحسان العزيز إليه، (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) «يوسف: 23».
وأشارتْ أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها إلى صفات المروءة التي كان يتمتّع بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة: «إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ»، صحيح البخاري: 6983.
وقد قال أحد الحكماء في التفريق بين العقل والمروءة إنّ العقل يأمرك بالأنفع والمروءة تأمرك بالأجمل.
ومن فوائد المروءة المتنوعة أنها جالبةٌ لمحبة الله تعالى ومحبّةِ خلْقه، وسبيلٌ إلى نيل المطالب العالية، وصونٌ للنفس عمّا يشينها، يقول الماوردي إنّ مِنْ شروط المروءة في نفْسِ الشخص: العفّة والنّزاهة والصّيانة، كقول الشاعر:وَجانَبَ أَسبابَ السَفاهَةِ وَالخَناعَفافاً وَتَنزيهاً فَأَصبَحَ عالِياوَصانَ عَنِ الفَحشاءِ نَفساً كَريمَةًأَبَتْ هِمَّةً إِلّا العُلى وَالمَعالِيا
ومن شروطها في غيره: المؤازرةُ والميَاسرَةُ والإفْضَالُ، قال حافظ إبراهيم:إنّي لتطربني الخلالُ كريمةطرب الغريب بأوبةٍ وتلاقيوتهزّني ذكرى المروءة والندّىبين الشمائل هزّة المشتاق
وَمِنَ الوسائل المعينة على اكتساب المروءة، علوّ الهمة، ومجاهدة النفس، وحبّ الخير، وسرعة البذل والعطاء، والتّرفع عن الدنايا، والابتعاد عن مواطن الريبة والزّلل، والسّعي دوماً نحو مواقع الشهامة والكرامة، حتى وكأنه المقصود بقول الشاعر:وإذا سألتَ عن الكرام وجدّتنيكالشمس لا تخفى بكلّ مكان
وَمِنْ مظاهر المروءة، الحياءُ والرّحمةُ والسِّتر، وحسنُ الجوار، والتّثبّتُ، والإنصاتُ إلى الناس، قال أبو تمام:وتراه يُصغي للحديث بطرفهوبقلبه ولعَلّه أدرى به
وَمِنْ مظاهر المروءة كتمانُ السّرِّ، والوفاء، والتعاون والتغافل، والأمانة والإخلاص، والتضحية، والألفة، والإيثار، وعدم رفع الصوت، وطلبُ المحامد العالية والمكارم النّبيلة، والشجاعة والجودُ بالنفس، قال مسلم بن الوليد:يجودُ بالنفس إن ضنّ البخيل بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجود
شمعة أخيرة:
قال محمد بن أيمن الرُّهاوي:إنّ المكارم كلّها لو حصّلترجعتْ بجملتها إلى شيئينتعظيمُ أمر الله جلّ جلالهوالسعي في إصلاح ذات البين*دكتوراه في الأدب العربي ومدرب معتمد