في سياقٍ عالمي تتسارع فيه التحولات التقنية، جاء انعقاد مؤتمر المؤسسة الوطنية لذوي الإعاقة «نحو رؤية مستدامة من أجل غدٍ أفضل- توظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين خدمات الأشخاص ذوي الإعاقة» بوصفه محطة وعي متقدمة تعكس انتقال قضايا الإعاقة من هامش الخطاب الاجتماعي إلى قلب النقاش التنموي والاستراتيجي. حضور معالي الشيخ دعيج بن خليفة آل خليفة، وتكريمه شخصية العام للمسؤولية المجتمعية 2025، شكّل رسالة واضحة بأن القيادة المجتمعية الحقيقية تُقاس بمدى قدرتها على تحويل القيم إلى سياسات، والإنسان إلى أولوية.
انطلقت أعمال المؤتمر من إدراكٍ عميق بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد ترفاً معرفياً، بل أصبح أداة حاسمة لإعادة بناء منظومة الحقوق والفرص للأشخاص ذوي الإعاقة، فالعالم اليوم يضمّ أكثر من 1.3 مليار شخص من ذوي الإعاقة، وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن معدلات الفقر بينهم تفوق غيرهم بمرتين، فيما لا تتجاوز مشاركتهم الاقتصادية عالمياً ثلث الإمكانات المتاحة، هذه الأرقام كانت الخلفية الواقعية للنقاشات، لا بوصفها مؤشرات عجز، بل كنقاط انطلاق لإصلاح الخلل.
ومن هذا المنطلق، تدرجت جلسات المؤتمر في معالجة العلاقة بين التشريع والتقنية، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يؤدي دوره ما لم يُحط بإطار قانوني عادل يضمن الخصوصية، ويمنع التمييز الخوارزمي، ويُفعّل القوانين الخاصة بحقوق ذوي الإعاقة عبر تطبيقات عملية في التعليم، والرياضة، وسوق العمل، وسهولة الوصول الرقمي، وقد أظهرت تجارب دولية، مثل كندا واليابان، أن دمج التقنيات الذكية في بيئات العمل والتعليم ساهم في رفع نِسب التوظيف بما يقارب 20% خلال أقل من خمس سنوات.
وفي هذا السياق، جاءت ورقتي المقدمة في المؤتمر بعنوان «التمكين الاقتصادي لذوي الإعاقة عبر الذكاء الاصطناعي: نحو فرص مستدامة ومجتمع أكثر شمولاً»، لتؤكد أن التمكين الحقيقي يبدأ من الاقتصاد، حيث تتحول التقنيات الذكية من أدوات مساعدة إلى منصات إنتاج، وتُفتح مسارات جديدة للعمل عن بُعد، وريادة الأعمال، والوظائف المعتمدة على المهارات لا القيود الجسدية، وقد تكاملت هذه الورقة مع بقية الأوراق العلمية المتميزة التي قدمها المتحدثون، فكانت كل ورقة بمثابة إضاءة ترشد، وتوعية تُنبه، ورؤية تُحذر من الفجوات، وتُنمّي الفهم الجمعي لكل من لهم شأن مباشر أو غير مباشر بذوي الإعاقة.
وتدرج النقاش لاحقاً نحو البعد الإنساني العميق، حيث طُرحت قصص النجاح، لاسيما تجارب المكفوفين، بوصفها دليلاً حياً على أن التحدي ليس في الإعاقة ذاتها، بل في البيئة المحيطة بها، وهنا برزت قوة ذوي الإعاقة الإيمانية والنفسية كعامل توازن أساسي في مواجهة التحولات، إذ تشير دراسات نفسية إلى أن معدلات الصلابة النفسية لدى الأشخاص ذوي الإعاقة غالباً ما تكون أعلى من المتوسط العام.
في المحصلة، لم يكن المؤتمر حدثاً عابراً، بل مساحة تفكير جاد في كيفية مواءمة الإنسان مع المستقبل، وقد أكدت المؤسسة الوطنية لذوي الإعاقة، عبر هذا الحراك، أن الاستدامة لا تُقاس بالتقنية وحدها، بل بمدى قدرتها على أن تكون جسراً للعدالة، ورافعة للكرامة، وطريقاً لغدٍ لا يُقصي أحداً.
* إعلامية وباحثة أكاديمية