لا شك في أن صدور الأمر الملكي السامي بأن يحمل عام 2026 اسم «عام عيسى الكبير»، يعتبر واحدة من أهم اللحظات في تاريخ البحرين، والذي مثل رسالة وطنية عميقة تعيد ترتيب الذاكرة، وتصل الماضي بالحاضر، وتمنح الأجيال فرصة للتأمل في جذور البناء والتنمية التي تعيشها المملكة اليوم.
هذا القرار يقرأ بوصفه احتفاءً بشخصية تاريخية وقرار وطني بقيمة التأسيس، وبأن النهضة وما نعيشه اليوم من استقرار وتطور هو امتداد طبيعي لمسيرة طويلة قادها رجال دولة امتلكوا الرؤية والحكمة في زمن كانت فيه المنطقة بأسرها تمر بتحولات دقيقة وصعبة.
وقد كان صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، قائدًا لمرحلة تأسيسية فارقة وضعت اللبنات الأولى للدولة الحديثة في البحرين، ففي عهده لم يكن البناء عمرانياً فقط، بل كان مؤسسياً وقانونياً واجتماعياً، حيث تشكلت ملامح الإدارة، وترسخت مفاهيم العدالة، وبدأت الدولة تتعامل مع مواطنيها على أساس النظام والمسؤولية.
وحين يتم قراءة ما تم إنجازه في تلك الحقبة، ندرك وبشكل كبير لماذا ينظر إلى فترة حكم الشيخ عيسى الكبير بوصفها مرحلة ازدهار مبكر قياسًا بظروف زمانها ومكانها، حيث تم تأسيس القضاء، تنظيم الجمارك، إنشاء البلديات، الاهتمام بالصحة والتعليم، والانفتاح الثقافي، كلها خطوات لم تكن مألوفة في محيطها الخليجي آنذاك، ما منح البحرين تميزاً وفرادة جعلتها سباقة في بناء نموذج دولة مستقرة ومتوازنة.
الأمر الملكي السامي اليوم يعيد تسليط الضوء على هذه المرحلة، من باب الاستلهام، فالدولة التي تتوقف عند حاضرها، دون أن تفهم ماضيها، دولة معرضة لتكرار الأخطاء أو فقدان الاتجاه، أما الدولة التي تكرم رموزها وشخصياتها التاريخية المؤثرة والمؤسسة؛ فإنها تقول لأبنائها؛ هذا طريقنا، وهذه قيمنا، وهذا الإرث الذي لا نبدأ من بعده، بل نكمل عليه.
وبدون شك، أن الإشادة الواسعة التي حظي بها التوجيه الملكي من مختلف فئات المجتمع البحريني تعكس إجماعاً وطنياً نادراً على أهمية هذه المبادرة، وعلى ما تحمله من معان تتجاوز السياسة إلى الهوية والانتماء والوعي بالتاريخ.
أما أن يرتبط «عام عيسى الكبير» بمدينة المحرق، بما تشهده من مشاريع إحياء وصون للهوية، فذلك تأكيد إضافي على أن البحرين تنظر إلى تاريخها كجزء حي من مشروعها الوطني المستقبلي.
وأخيراً؛ فإن «عام عيسى الكبير» يمثل عاماً للتأمل في معنى الدولة، ومعنى القيادة، ومعنى البناء طويل النفس، هو تذكير هادئ بأن ما نعيشه اليوم من إنجازات لم يكن وليد الصدفة، وأن الوفاء للتاريخ ليس عاطفة، بل وعي يحمي الحاضر، ويمنح المستقبل جذوره الصلبة.