في كل مرة تعود فيها البحرين إلى تاريخها، لا تفعل ذلك من باب الحنين، بل من باب الوعي؛ الوعي بأن الدول التي تعرف كيف تحفظ ذاكرتها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها بثبات. ومن هنا، يأتي الأمر الملكي السامي بأن يحمل هذا العام اسم «عام عيسى الكبير» كرسالة تتجاوز التسمية، وتدخل مباشرة في عمق المشروع الوطني البحريني.
«عيسى الكبير» ليس اسماً في كتاب تاريخ، ولا صورة في إطار قديم، بل هو مرحلة تأسيسية كاملة. هو الرجل الذي انتقل بالبحرين من مفهوم الحكم التقليدي إلى الدولة المؤسسية، ومن إدارة الواقع إلى بناء النظام.
وحين نستحضر عهده، فإننا لا نستحضر شخصاً فقط، بل نستحضر لحظة مفصلية تشكّلت فيها ملامح الاستقرار، وترسخت فيها القوانين، وبدأت فيها الدولة تعرف نفسها ككيان منظم له مؤسسات، وله رؤية، وله هوية واضحة.
الأمر الملكي السامي الصادر عن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، بأن يحمل هذا العام اسم «عام عيسى الكبير»، لم يأتِ منفصلاً عن سياقه، بل جاء متسقاً مع نهج وطني واضح يقوده جلالته، يقوم على ترسيخ الذاكرة الوطنية، وربط الأجيال الجديدة بجذور الدولة، ليس عبر الشعارات، بل عبر المبادرات العملية، والمشاريع التنموية، وحماية المدن التاريخية، وفي مقدمتها المحرق، التي لم تكن مجرد مدينة، بل كانت عاصمة قرار، ومركز حكم، ومهد دولة.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل استحضار إرث عيسى الكبير عن واقع البحرين اليوم. فحين يُشيد جلالة الملك المعظم بالدور الذي يضطلع به صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، في قيادة العمل الحكومي، فإننا نرى امتداداً طبيعياً لذلك الإرث المؤسسي. فالدولة التي بُنيت على أسس الحكم الرشيد، لا يمكن إلا أن تستمر بمنهج التخطيط والعمل وتحقيق الإنجاز، لا بالصدفة ولا بردود الفعل.
«عام عيسى الكبير» ليس عاماً للاحتفال فقط، بل عام للتأمل. تأمل في معنى الاستقرار الذي نعيشه اليوم، وفي قيمة المؤسسات التي قد نختلف معها أحياناً، لكننا نحتكم إليها دائماً. وهو تذكير بأن ما نراه اليوم من بنية قانونية، وإدارة حكومية، وتنمية عمرانية، لم يولد فجأة، بل هو نتاج مسار طويل بدأ منذ أن آمن قائد بأن الدولة لا تُدار بالأفراد، بل بالأنظمة.
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها لا تنظر إلى الماضي بوصفه منتهى، بل بوصفه منطلقاً. فإحياء قصر عيسى الكبير، والحفاظ على أحياء المحرق، وصون الهوية العمرانية، كلها رسائل تقول إن البحرين لا تريد أن تكون دولة بلا ذاكرة، ولا مدينة بلا روح. تريد أن تتقدم، نعم، لكن دون أن تنسى من أين بدأت.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتضيع فيه التفاصيل، يأتي «عام عيسى الكبير» ليضع نقطة توازن؛ ليقول إن البناء الحقيقي يبدأ حين نعرف تاريخنا، ونفهم رموزنا، ونقرأ تجاربنا بوعي، لا بتقديس أعمى، ولا بتجاهل مفرط. هو عام لاستعادة المعنى قبل استعادة الاسم، ورسالة واضحة بأن البحرين، وهي تمضي بثقة نحو المستقبل، تعرف جيداً كيف تحافظ على جذورها.