يتمنى ويحلم أن يكون رائد أعمال، في اللحظة التي يعد فيها سيرته الذاتية ليقدمها لوظيفة، يتحدث مع أصدقائه وهم في المقهى عن عزمه ألا يكون عبداً للوظيفة، في الوقت الذي يبحث عن وظيفة، ويسأل عن سنوات الخدمة اللازمة للتقاعد، يتابع المقاطع التحفيزية الخاصة بالجرأة والمغامرة في الأعمال، وبعدها يغلق هاتفه ليحسب راتبه من وظيفة مرتقبة وكم سيبقى له منه نهاية الشهر، يعلن أنه لا يحب الوظيفة والروتين المرافق لها، لكنه يريدها وبقوة.
نعم، هذا هو الواقع، كثير من الناس لا يحبون الوظيفة، لكنهم يبحثون عنها، ليجلسوا خلف مكتب معتقدين أنه ثابت ولا يتحرك، حتى لو تحرك العالم من حوله، مع أنهم يستيقظون كل صباح في الساعة نفسها، ليفعلوا ما يفعلونه كل يوم، ويشتكوا من المدير نفسه، ويقولوا بكل ثقة: «نكره الروتين» لكنهم يحبون الراتب في آخر الشهر، في الواقع هم صادقون في عدم حبهم للوظيفة، لكنهم يعشقون شعوراً مصاحباً لها، لا سيما إذا كانت وظيفة حكومية، ألا وهو ذلك الشعور الدافئ بالأمن الذي يهمس بإذن صاحبه ويقول: «المستقبل لن يفاجئك، والراتب سيكون في حسابك دوماً في موعده، سواء قدمت أفكاراً جديدة أو لم تقدم» لذا الوظيفة تشبه كرسياً مريحاً قليل التمايل، ليس كبيراً، لكنه يسع صاحبه والأهم أنه كرسي ثابت، لا سيما في زمن نرى السقوط المفاجئ والسريع يحصل بكثرة لمن اختاروا أن يكونوا رواد أعمال بعيداً عن الوظائف، ومع أننا نرى أن في كثير من الحالات نهوض من تعرضوا للسقوط من جديد وأصبحوا رواد أعمال ناجحين، وأن قصصهم لمعت، لكن أكثر الناس يقدرون الثبات أكثر من القصص اللامعة، وبعد سنين طويلة من العمل في الروتين ولعن الوظيفة يكبر الأبناء، ليرسلهم الآباء ليقدموا على الوظائف ويتوسطوا لهم، مع أنهم ما زالوا يلعنون الوظيفة، ولم يفكروا أن يدفعوهم لريادة الأعمال؛ لأنها «مغامرة» والمغامرة جميلة شرط أن ينفذها شخص غيرنا وغير أبنائنا، ولذلك ابن الموظف موظف.
هؤلاء ليسوا جبناء وليسوا كسالى، لكنهم نتاج بيئة تعلمت أن الخطأ مكلف جداً، وأن الفشل لا يمكن تحمله، والمجتمع لا يشجعنا عند السقوط، بل يلومنا ويقول لنا: «لماذا لم تكونوا كغيركم وتجلسوا على كرسي ثابت» لذلك يختارون الوظيفة؛ لأنها لا تخذلهم، وفي الواقع هم فعلاً لا يريدون أن يكونوا عبيداً للوظيفة، لكنهم لا يريدون أن يختبر الغد شجاعتهم، وعليه بين الحلم الكبير والراتب المحدود، سيختارون الراتب، ويقنعون أنفسهم أن هذا مؤقت حتى يحين الوقت لبدء المشروع الخاص، وبذلك يكون أحدهم رائد أعمال حتى إشعار آخر.
* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية