في لحظة ضعف وألم، يكشف الإنسان عن عمق العلاقة بينه وبين مؤسساته الوطنية، وخاصة حين تتداخل الأقدار وتضعنا أمام مفترق طرق صحي حاسم، تجربة نقل زميلتنا إلى المستشفى بعد تعرضها لكسر حاد كانت خير دليل على قوة منظومة الرعاية الصحية الحكومية، التي رغم التحديات، أثبتت جدارتها ونجاحها في توفير خدمات طبية متكاملة ومستمرة، تؤمن حياة الإنسان في أصعب الظروف.

حين لجأنا في البداية إلى المستشفى الخاص، بحثاً عن سرعة العلاج والتخفيف من وطأة الوضع، كانت المفاجأة صادمة، إذ لم تتوفر الإمكانيات اللازمة لإجراء العملية الطارئة التي تستوجبها الحالة، هنا تأكدنا أن المستشفيات الحكومية، رغم ضغط العمل والازدحام، تبقى الركيزة الصلبة التي تحتضن المريض بكل احترافية، استدعاؤنا لخدمات الإسعاف الوطني جاء كخطوة ضرورية، وكانت رسالة الكفاءة واضحة من اللحظة الأولى، إذ استجاب الفريق الطبي بسرعة ودقة، ونقل زميلتنا إلى مستشفى الملك حمد، الذي فتح أبوابه لاستقبالها وتقديم الرعاية الفورية.

هذا التسلسل الطبي المتقن يعكس نظاماً صحياً متكاملاً، قائماً على تضافر الجهود من الإسعاف الأولي إلى الخدمات المتخصصة في المستشفيات الحكومية، حيث لا تقتصر العناية على إجراء العملية فحسب، بل تشمل الرعاية ما قبلها وبعدها، والمتابعة الدقيقة التي تحاكي أعلى معايير الجودة العالمية، هذه السلسلة، التي تمتد بلا انقطاع، تجسد فلسفة الرعاية الصحية المستدامة التي تسعى الدولة لتطويرها باستمرار، مستثمرة في البنية التحتية والتقنية والكوادر البشرية، بما يخدم المواطن ويضمن له حقه في العلاج الآمن والفعّال.

تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن نسبة الإشغال في مستشفياتنا الحكومية تتجاوز 85% في بعض الفترات، مع معدل استجابة طارئة يصل إلى 95%، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه النظام الصحي، لكنه في الوقت ذاته يؤكد جودة الأداء تحت الضغط، مقارنة مع العديد من المستشفيات الخاصة التي غالبًا ما تعاني من نقص في بعض التخصصات، تظهر المستشفيات الحكومية كخيار حتمي يضمن استمرارية العلاج وأمانه، خصوصاً في الحالات الطارئة التي لا تحتمل التأجيل أو التردد.

إن حرص الجهات الصحية على طلب تقييم تجربة المريض عبر وسائل الاتصال الحديثة، مثل رسالة التقييم التي وصلتني بعد خروج زميلتنا من العملية، هو مؤشر على وعي عميق بأهمية التحسين المستمر والتطوير الدائم، هذه الخطوة ليست فقط إجراء شكلياً، بل هي تعبير عن فلسفة إنسانية تعطي المريض دوره الفعّال كشريك في عملية الرعاية الصحية، مما يعزز من بناء نظام صحي شفاف ومتكامل.

في النهاية، تظل تجربة زميلتنا عبر رحلة العلاج من الإصابة إلى التعافي، رسالة قوية تحمل أبعاداً إنسانية وفكرية، تؤكد أن صحة الإنسان ليست مجرد مهنة أو خدمة، بل هي مسؤولية وطنية وعهد على كاهل الجميع، فكل لحظة تأخير في العلاج، ليست مجرد خسارة للوقت، بل قد تعني حياة أو موتاً، وهنا يكمن الفرق الحقيقي بين منظومة صحية متطورة وأخرى هشة، لذلك، يتوجب علينا أن نستمر في دعم وتطوير منظومتنا الصحية، التي هي عنوان قوة دولتنا ورمز عطائها الدائم لأبنائها، حتى يبقى الأمل متجدداً، وتزهر الحياة بسلام وأمان للجميع.

نتمنى لزميلتنا العافية التامة، ولجميع المرضى شفاءً عاجلاً، ولبلادنا دوام التقدم والازدهار، لأن صحة الإنسان هي الثروة الحقيقية التي لا تقدّر بثمن.

* إعلامية وباحثة أكاديمية