منذ أن بدأ الإنسان باستكشاف الأشياء حوله وهو يعتقد أنه اكتشف كل شيء، فعندما اكتشف النار ظن ذلك، ثم اخترع العجلة وظن أنها أكبر إنجازاته، ثم اخترع الكتابة وظن أنه أغلق بها باب الاختراعات البشرية، وربما تصور أن الذاكرة لم تعد ذات أهمية، لكن اليوم بعد ما وصل إليه الذكاء الاصطناعي بيد الإنسان نفسه، هل مازال يعتقد أنه بطل هذه القصة أم أنه بدأ يشعر أن اختراعه هذا وضعه على الهامش؟!
الذكاء الاصطناعي ليس اختراعاً مفاجئاً، ولم يظهر هكذا فجأة، لأنه في الواقع نتيجة حتمية لكسل بشري «نبيل» فنحن بني البشر نميل للتفكير، لكننا نحب أكثر من يفكر عنا، ومن هذا الحال بدأت حكاية الذكاء الاصطناعي، آلة تحفظ كل شيء، ولا تنسى شيئاً، ولا تطلب تفسيراً عاطفياً لأي شيء، ومع ذلك تفكر، تسألها فتجيبك، تعاتبها فتعتذر لك، تخطئ فتصحّح نفسها بلا كرامة مجروحة، تفكر أنت قليلاً وتعرض عليها فكرتك، فتجعل منك أسطورة في التفكير والقدرة على حل الأمور، اللافت أن هذا الذكاء لا يدّعي العبقرية، بل نحن من ألصقنا به هذه الصفة، هو لا يقول (أنا أفهم)، لكنه يقول تفضل هذه النتائج، والفرق بين الفهم والوصول إلى النتيجة والحل، هو ذات الفرق بين من يقرأ قصة ومن يعد صفحاتها، فالثاني يعرف عدد الكلمات لكنه لا يشعر بأثر الكلمة على النفس، وكذلك الذكاء الاصطناعي، أما تخوّف كثير من الناس من الذكاء الاصطناعي فإنه قادم من أنه يخطئ مثلهم، لكن دون أعذار، ينجح مثلهم، لكن دون غرور، يعمل بلا تعب، بينما الإنسان يتعب من التفكير، وهنا يبدأ القلق عند البشر، ماذا لو صارت الآلة أفضل منا في كل ما لا نحب فعله؟ إلا أن الحقيقة واضحة فالذكاء الاصطناعي لا يريد شيئاً، وليس له طموح يدفعه، ولا يعرف نظام المؤامرة -الآن على أقل تقدير- هو مجرد أداة، مثله مثل القلم، الفرق أن القلم كان يكشف أفكارنا، أما الذكاء الاصطناعي فيجبرنا على اكتشافها، حين تسأله سؤالاً غبياً، يجيبك إجابة مهذبة، لكنه يتركك أمام غبائك دون تعليق.
الخطر الحقيقي ليس في الآلة، بل في الإنسان الذي يسلّم مفاتيح عقله بدعوى الراحة، حين يتحول السؤال من (كيف أستخدم الذكاء الاصطناعي؟) إلى (لماذا أفكّر أصلاً؟) نكون قد دخلنا منطقة الخطر بالفعل، فالعقل الذي لا يُستخدم، يصدأ، حتى لو كان صاحبه يحمل أحدث هاتف، الذكاء الاصطناعي لا يكتب أجمل، لكنه يكتب أسرع، لا يفهم الأخلاق، لكنه يحفظ القوانين. وهنا تأتي مسؤولية الإنسان، وهي أن يبقى الحكم الأخير، لا الزر الأخير، ربما أهم ما يعلمنا الذكاء الاصطناعي هو درس متواضع، وهو أن الذكاء وحده لا يكفي، ما يميّز الإنسان ليس سرعة الإجابة، بل عمق السؤال. ليس كثرة المعلومات، بل القدرة على الشك، والاختيار، وتحمل الخطأ، في النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس منافساً للإنسان، بل مساعداً له لينجز مهامه على أفضل وجه ممكن.