إن إطلاق «عام عيسى الكبير» للعام 2026، بأمر ملكي سامٍ تفضّل به صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، احتفاءً بباني الدولة الحديثة وقائد النهضة المؤسسية في تاريخ مملكة البحرين، «عيسى الكبير» رحمه الله تعالى، حاكم البحرين وتوابعها، يعكس عمق تقدير القيادة الرشيدة للرموز الوطنية التي قدّمت لهذا الوطن العزيز الكثير، وأسهمت في إرساء دعائم الدولة الحديثة، وكان لها دور كبير في توارث الخبرات، وتأسيس منظومة مؤسسية متكاملة، أسهمت في تشكيل صفوف إدارية متميّزة، وتنظيم منظومات العمل استناداً إلى ما أرسته الأجيال السابقة، ثم تطويرها بالفكر الحديث، ووفقاً لمعطيات النهضة المعاصرة والازدهار الوطني. نحن بحاجة فعلاً إلى مثل هذه الالتفاتات الجميلة، التي جاءت من قائد البلاد، حفظه الله ورعاه، في إشارة راقية إلى أن يسير الجميع على النهج ذاته، نهج تقدير رموزنا الوطنية التي أعطت لوطننا الحبيب بسخاء في شتى المجالات، وبعضها لم تتعرّف إليه الأجيال الحاضرة. لذا فقد آن الأوان لإبراز هذه الرموز بصورة تعمّق أثرها في الحياة، بما يُسهم في الارتقاء بمنظومة العطاء والتغيير المؤسسي، الذي ينبغي أن يكون مؤطراً داخل مؤسساتنا القائمة على إدارة منظومات العمل. فجزى الله مليكنا خير الجزاء، وأطال المولى عمره في طاعته.
* في بعض الأحيان، تختزن في داخلك، دون مقدمات، كميةً من المشاعر المختلطة، بدفء الحنين إلى الماضي الجميل، وذكريات زمن الطيبين، وبالمحبة الغامرة التي تجمعك بمن تحب من أهلك وأسرتك، وإخوانك وأخواتك، وكل من له مكانة في قلبك. وفي أحيانٍ أخرى، تشعر بأنك قصّرت في منح تلك المشاعر الدافئة حقّها، أو أنك لم تعشها كما ينبغي في وقتها، أو لأنك على يقين بأن هذه الدنيا الفانية لا تُخلِّد أحداً، وأن الذي يدوم هو ذكر الإنسان الطيب وأثره في هذه الحياة، وما تولّده المحبة الصادقة من دعوات المحبين. هذه المشاعر تُرقّق القلوب، لأنها متصلة بمحبة ما أعدّه الله تعالى في جنات النعيم، وتبقى عنوان البهجة والفرح الذي نتنفس به في هذه الحياة.
* وفي محيط الأعمال، قد تتعامل مع بعض الشخصيات التي تنفرك من أن تضع يدك في أيديهم، أو حتى أن تنصت إلى وجهات نظرهم، لسببٍ بسيط جداً؛ إذ يعتقدون دائماً أنهم على صواب، وأن غيرهم على خطأ، أو يظنون أنهم يمتلكون المكان الذي يتواجدون فيه، أو الكرسي الذي يجلسون عليه، أو لأن نفوسهم جُبلت على عدم المرونة في العمل، ولا يحسنون التعامل مع المواقف التي يكون الأولى فيها تبادل عبارات الامتنان والتقدير والشكر، وأن يُقال فيها، أولاً وآخراً: «الله خيراً، سر على بركة الله، وربّي يوفقك». وبالفعل، هناك من هذه الأصناف من لابد أن تُحدّد معهم مسافة واضحة، بمعنى أنهم لا يصلحون لأن يكونوا ضمن قافلة المسير الحياتي التي يُقدَّم فيها العطاء للحياة. وعلى النقيض من ذلك، هناك من تعتز بأن تضع يدك في يده، لما يتحلّى به من وضوح في التعامل، ووفرة في المشاعر الصادقة المتبادلة، وابتسامات صانعة للأثر، وتفاهم عميق، وتقدير ينبع من إحساس صادق بالمحبة، ومن عمق التجربة المشتركة، والحكمة المتفرّدة، والقرارات المبنية على تراكم خبرات الحياة. وهنا يكون فيصل الاختيار الحكيم.
* وعندما نتنافس في الخير، فإنما نتنافس ابتغاء كسب درجات ومنازل الآخرة، والفردوس الأعلى. وحين نرفع شعار: «لن يسبقني إلى الله أحد»، فإنما هو تسابق إلى التقدّم في ميادين الخير، وفي مقدمة صفوف العطاء، ومبادرات البر والعمل الإنساني؛ إيماناً بأن الخير كل الخير فيما أعدّه الله نُزُلاً للمتقين الصادقين. لذا، ينبغي أن نزن قلوبنا بميزان التقوى، وأن نقيس كيفية تعاملها مع مقتضيات الأمور ومواقف الحياة، وكيف تعمل دون رياء، ودون أن يتسلّل إليها الحسد أو الغيرة أو الحقد أو الأنانية؛ فسلامة الصدر مقدّمة على كل شيء.
* ونحن بحاجة إلى أن نكون منصفين في حياتنا، ولاسيما في ميادين العمل، التي يتنافس فيها العاملون على إبراز إنجازاتهم، وكأنهم بلغوا مراتب عليا من الجودة والعطاء، بينما يُدار بعض ذلك -من وراء الستار- بروح التباهي والتفاخر، كما يُقال: «يصبغ غيره علشان يوصل». لابد أن نبني أثراً قائماً على التعاون المتقن، من أجل الظفر بمخرجات خير، وأطيب الثمرات، لا أن يُبنى على المصادمات والمشاحنات، والخوف من أن يستولي الآخر على نجاحٍ بُنِيَ بجهدٍ فردي. وهنا تتجلّى أهمية تشابك الخبرات، وتأصيل مفاهيم الود والوئام بين فرق العمل المتجانسة، لا المتصادمة؛ فمن خلال المحبة، والفهم العميق لطرائق تفكير الآخرين، نستطيع أن نحقّق ما عجز عن تحقيقه أولئك المنظّرون على ساحات العطاء، والعبث بأحلام غيرهم.
* إن الأثر الذي نصنعه لنشعر بأننا قد قدّمنا شيئاً في أيام حياتنا، هو ذلك الأثر الذي بدأناه من قبل، وقد آن الأوان لأن يكبر، وأن يتطوّر، ويغدو مختلفاً عمّا كان عليه. أي أن نواصل بناءه، ونطوّره، ونصقله، ونرتقي بخطواته، ليكون مكتوباً لنا عند الباري الكريم أثراً مقبولاً، وعملاً مرضياً عند المولى سبحانه. فليس كل أثرٍ يستمر، وإنما الذي يُبتغى به وجه الله تعالى، ويُؤسَّس على الصدق، ويُوجَّه إلى مساحات واسعة من العطاء، والأثر، والتأثير المتبادل.
ومضة أمل
مع إشراقة شهر شعبان، نستذكر أقوال بعض أهل العلم: «شهر شعبان شهر التخلية، وشهر رمضان شهر التحلية». وهو شهر قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاك شهرٌ يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين عز وجل، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم». وكما تُعرض الأعمال، تُعرض القلوب أيضاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن».