يشكّل التقاضي عن بُعد تحوّلاً جوهرياً في مسار العدالة، إذ ينتقل حضور الجلسات من فضاء المحكمة التقليدي إلى البيئة الرقمية، مما يرفع سقف التوقعات نحو تسريع الإجراءات وتوسيع إمكانية الوصول إلى القضاء. تُتيح هذه الخدمة خفض التكلفة الزمنية والمادية، وتخفف الضغط على المحاكم، وتمنح القاضي مرونة أكبر في إدارة الوقت، كما تعزّز من روح الشفافية عبر البث المباشر وتنظيم تداول المستندات إلكترونياً.
غير أن هذه المكتسبات لا تخلو من تحديات جوهرية تتعلق بجوهر العدالة نفسها، فالقضاء لا يكتفي بالوقائع المقدمة، وإنما يصنع قناعته من تفاعل إنساني مع الخصوم والشهود، وهو تفاعل قد يفقد الكثير من دقته عند استخدام التقنيات الرقمية. غياب التفاعل الجسدي ولغة الجسد يُضعف أدوات القاضي في تقييم صدقية الشهود، ويطرح تساؤلات جدية حول ضمان نزاهة الإجراءات واحترام خصوصية الجلسة.
من الناحية القانونية، يُعدّ التقاضي عن بُعد رخصة إجرائية تُمارس وفق ضوابط صارمة لا يجوز تجاوزها. القانون يؤكد أن هذه الخدمة ليست حقاً مطلقاً للمتقاضي ولا إلزاماً دائماً على المحكمة، وإنما خيارٌ يرتبط بنوعية القضية ومدى تأثير الوسيط الإلكتروني على سلامة المحاكمة. يظل المبدأ الأساسي أن المحاكمة يجب أن تُتيح للقاضي تكوين قناعة حُرّة من خلال مواجهة مباشرة، وبما يضمن حق الدفاع والشفافية والسرية. أي إخلال بهذه الضمانات يجعل الجلسة عبر البعد الإلكتروني غير معتبرة قانونياً، ويُعدّ سبباً لإبطال الإجراءات التي يُمكن أن تكون حجّة للمحامين أو المتقاضين في حينها.
وبالإضافة إلى ذلك، تفرض بيئة التقاضي الرقمية على المشرّع تحديث القواعد، لتشمل معايير واضحة للتحقق من هوية الحضور، وحماية سرية المعلومات، وتطبيق العقوبات على الانتهاكات التقنية، بما يواكب الحماية القانونية التي توفرها القاعات التقليدية. المحامي بدوره يكتسب مسؤولية جديدة في ضمان جاهزية موكله التقني والقانوني، وتحذيره من مخاطر الإخلال بالإجراءات، فيما يقع على القاضي عبء مضاعف في ضبط آليات الجلسة الرقمية، وتفادي الانحرافات الشكلية التي قد تضرّ بجوهر العدالة.
مستقبل التقاضي عن بُعد يتّجه نحو نموذج تكاملي يوازن بين المرونة التقنية والحضور المادي، حيث تُعقد القضايا الإجرائية عبر المنصات الرقمية، وتُخصّص القضايا الإنسانية والجنائية للمحاكم التقليدية. نجاح هذا النموذج يُقاس بمدى ثقة المتقاضين في أن التقنية ليست عائقاً، بل أداة تدعم حقهم في محاكمة عادلة.
في جوهرها، العدالة ليست سرعة اتصال أو جودة بث، بل ضمير يحكم بعدالة وعمق، وكل تقدّم تقني يُقيّم بحسب إسهامه في حماية الحق وصون كرامة الإنسان، لا بوصفه غاية قائمة بذاتها.
* إعلامية وباحثة أكاديمية