في صباح شتوي من شتاءات البحرين التي تعرف كيف تطرق أبواب القلب، أخذت أبنائي في نزهة قصيرة، لا إلى مجمع تجاري ولا وجهة حديثة، بل إلى شيء من الذاكرة. قلت لهم: دعونا نُعيد طعماً كان في أيامنا طبيعياً، وأصبح اليوم أقرب للحنين منه إلى الأكل. قصدنا محل «حلويات قمبر» في الحالة، المحل الذي باتت واجهته تحمل عدة صور فقط، لكنها كافية لتُشير بخفة إلى قصة هذا الزنجباري، وتُثبت دون أن تقول: «هنا بدأت الحكاية».

في صغري، لم يكن هذا المكان في بداية الحالة، بل في دواعيسها. كنا نركض في تلك الأزقة، نعرف متى نصل من رائحة الزنجباري وهي تسبقنا. لم نكن نحتاج خرائط أو تنبيهات على الهاتف، بل إحساس بالمكان، كأن المحرق كلها تتنفس برائحة من زمن جميل سوف يغادر. اليوم، كل شيء مرتب، نظيف، منسق، وربما لهذا السبب فقد بعضاً من عفويته، لكن الطعم... بقي كما هو تقريباً، على الأقل في ذاكرتي.

وقفت هناك، أنظر إلى الواجهة، وأبنائي ينتظرونني بلا استعجال. وفكرت، لا فيما أمامي، بل في ذلك المستقبل الذي سيصبح فيه أبنائي هم من يسترجعون الذكريات.

هل سيعرفون شيئاً عن هذا الزنجباري الذي نحرص نحن على أن يكون ساخناً شتاءً؟ أم سيكون بالنسبة لهم مجرد صنف آخر تُصنعه طابعة ثلاثية الأبعاد في المطبخ الذكي، بنكهة يُختار فيها مستوى السكر ودرجة الحنين؟

تخيلت مدن البحرين، وقد نضجت تقنياً. ليست فقط ذكية، بل استباقية. تفتح إنارتها بناءً على مشيتك، وتعدّل حرارة الرصيف تحت قدميك بحسب مزاجك. المواصلات لا تتأخر، لأنها ببساطة لا تنتظر أحداً. كبسولات ذاتية القيادة تنقلك بصمت، وطائرات بدون طيار تُمطر السماء بالبضائع، بما فيها الزنجباري المُعد خصيصاً وفق تقريرك الصحي.

أبناؤنا في تلك الأيام لن يحتاجوا لحجز موعد في مركز صحي. أجهزة صغيرة، لا تُرى بالعين، ترصد مؤشراتهم الحيوية على مدار الساعة، وتطلب الدواء تلقائياً إن لزم. التعليم؟ لا صفوف ولا جرس. فصول افتراضية، تجوّل بين أسواق المحرق القديمة، يشرح فيها المدرس – الذي قد لا يكون إنساناً – أهمية العمارة الشعبية، وأثر الزخرفة على التوازن النفسي.

وفي مساء ذلك المستقبل، قد يُقيم الأب مجلساً في غرفة المعيشة، لكن لا أحد يجلس فعلياً. كل الحضور يرتدون نظارات الواقع الممتد، يجلسون ظاهرياً معاً، لكن أحدهم في أمريكا، وآخر في الرفاع، والثالث في طوكيو. القهوة تُرسل كإشارة، والضحكات تُسجَّل تلقائياً ضمن «ذكريات المجلس» الأسبوعية.

لكن، بين هذا الخيال الواسع، تبقى أسئلة لا يجيب عليها الذكاء الاصطناعي:

هل ستبقى للأشياء قيمتها إن لم ننتظرها؟ هل سيتعلم الأحفاد الصبر، إن كانت كل الطلبات تُلبّى قبل أن تُقال؟ وهل ستعرف ذاكرة المستقبل كيف تُخزن مشاعر جلسة عائلية حقيقية، لا يحكمها اتصال إنترنت ولا عمر بطارية؟

عدت من تساؤلاتي على صوت أبنائي، يطلبون الانصراف. التفتُّ إليهم، وقلت بهدوء: «نرجع».

لكنني لم أتحرك فوراً. بقيت واقفاً لحظة أطول، ويدي تحتضن كوب شاي ساخن، كأنما يحمل ما تبقّى من دفء هذه الذكرى، لا يُحلّي فقط، بل يضع نهاية هادئة لحكاية بدأت برغيف زنجباري.. وتستكملها ذاكرة لا تنوي التقاعد.

* خبير تقني