في عالمٍ تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية، لم تعد الدبلوماسية فعلاً إجرائياً تُدار به العلاقات بين الدول، بل غدت تعبيراً عميقاً عن وعي الدولة بذاتها، وبقدرتها على قراءة محيطها الإقليمي والدولي بعقلٍ متزن وبصيرة بعيدة، ومن هذا المنطلق، يجيء اليوم الدبلوماسي لمملكة البحرين بوصفه لحظة تفكير هادئة في مسار خارجي تشكّل عبر تراكم الخبرة، واتكأ على الحكمة، وابتعد عن الاندفاع، ليجعل من الحضور الدولي امتداداً عضوياً لمشروع وطني يرى في الاستقرار والتنمية مسارين متلازمين لا ينفصلان.
لقد أعادت الدبلوماسية البحرينية، في ظل بيئة إقليمية معقدة ونظام دولي متغير، تعريف دورها ووظيفتها، فلم تعد محصورة في إدارة الملفات السياسية التقليدية، بل تحوّلت إلى أداة شاملة تدمج السياسة بالاقتصاد، والأمن بالتنمية، والقيم بالمصالح، هذا التحول لم يكن استجابة ظرفية، بل نتاج رؤية قيادية راسخة أرساها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، وقاد تنفيذها صاحب السمو الملكي الأمير سلمان
بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، عبر نهج يقوم على الانفتاح المسؤول، وبناء الشراكات، وتعزيز الثقة المتبادلة مع مختلف دول العالم.
وفي قلب هذا المسار، برزت قيادة العمل الدبلوماسي بوصفها عنصراً حاسماً في تحويل الرؤية إلى ممارسة يومية متماسكة، فقد اضطلع معالي وزير الخارجية الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني بدور محوري في إدارة هذا التحول، من خلال متابعة دقيقة للملفات، وحرصٍ واضح على أدق التفاصيل، بما أسهم في ترسيخ دبلوماسية بحرينية متميزة، نوعية في أدواتها، راسخة في قيمها، وواضحة في مبادئها، دبلوماسية تستند إلى الأصول الوطنية للدولة البحرينية، وتتحرك بثبات في مواقفها، ومرونة في آلياتها، بما عزز من كفاءة الأداء المؤسسي، ورسّخ حضور المملكة كشريك دولي موثوق يحظى بالاحترام والتقدير.
وتتجلى نضج هذه المقاربة مع ما يحمله عام 2026 من مسؤوليات دولية كبرى، في مقدمتها رئاسة مملكة البحرين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ورئاسة مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، إضافة إلى رئاسة مجلس الأمن الدولي، وهي استحقاقات لا تعكس ثقة المجتمع الدولي فحسب، بل تضع البحرين أمام دور قيادي يتطلب دبلوماسية عالية الجاهزية، قادرة على إدارة التوافقات، وحماية مسارات السلم والأمن الدوليين، في مرحلة تتسم بتراجع مساحات التفاهم وارتفاع منسوب التوتر العالمي.
وعلى الصعيد التنموي، أثبتت الدبلوماسية البحرينية أنها شريك أصيل في صناعة النمو الاقتصادي، فالأرقام التي تحققت خلال العقدين الماضيين، سواء في نمو الصادرات الصناعية، أو في استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، لم تكن بمعزل عن دور السياسة الخارجية في فتح الأسواق، وتعزيز الشراكات، وترويج البيئة الاستثمارية للمملكة، وقد أدّت البعثات الدبلوماسية دوراً متقدماً في هذا السياق، بوصفها واجهة اقتصادية للدولة، وجسراً للتواصل مع مراكز القرار والأسواق العالمية.
وفي ظل النزاعات الإقليمية الممتدة، حافظت الدبلوماسية البحرينية على بعدها الإنساني، من خلال المشاركة الفاعلة في الجهود الدولية الرامية إلى احتواء الأزمات وإنهاء الصراعات، إضافة إلى حماية المواطنين وتنسيق عمليات الإجلاء عند الضرورة، بما جسّد مفهوم الدولة الحاضنة، ورسّخ التكامل بين العمل الدبلوماسي والقنصلي في أحلك الظروف.
إن الدبلوماسي البحريني اليوم لم يعد ناقل موقف فحسب، بل بات صانع معرفة، ومحلل سياسات، ومروجاً تنموياً، ومدير أزمات، يعمل ضمن منظومة مؤسسية حديثة تدرك أن الدبلوماسية المعاصرة تتطلب أدوات رقمية، وكفاءات متعددة التخصصات، ورؤية مستقبلية بعيدة المدى، ومن هنا، يكتسب اليوم الدبلوماسي لمملكة البحرين معناه الأعمق بوصفه محطة لتأكيد أن السياسة الخارجية، حين تُدار بعقل الدولة وروح الفريق، تتحول إلى استثمار استراتيجي طويل الأمد في الأمن، والتنمية، وترسيخ المكانة الدولية للمملكة.