في عالم التكنولوجيا المتطورة والتحولات الرقمية المتسارعة؛ لم تعد العدالة حبيسة القاعات المغلقة ولا رهينة الجغرافيا والزمن، حيث بات تطوير المنظومة القضائية ضرورة وليس ترفاً، وهو ما أدركته مملكة البحرين مبكراً، حين مضت بثبات نحو تحديث أدوات العدالة، دون المساس بجوهرها أو هيبتها، وهو ما تمثل في اعتماد التقاضي عن بُعد كإحدى أبرز هذه الخطوات التي تعكس وعياً مؤسسياً بأن العدالة الفاعلة هي القادرة على مواكبة العصر وخدمة الناس بكفاءة ومرونة.

ولا شك في أن إعلان وزارة العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف قد مثل تحولا نوعيا في فلسفة إدارة العدالة، حيث يتيح للمتقاضين حضور الجلسات بمرونة، ويخفف الأعباء الزمنية واللوجستية، ويقرب القضاء من الناس بدل أن يفرض عليهم مشقة الوصول إليه، وفي الوقت نفسه، يظل تحت الإشراف الكامل للقاضي، محافظاً على الضمانات القانونية وحقوق أطراف الدعوى، بما يبدد أي مخاوف تتعلق بجودة التقاضي أو نزاهته.

وفي رأيي، وحسب ما أعلنت الوزارة، فإن الأثر الأهم لهذا التحول يتمثل في تسريع الفصل في القضايا، حيث اختصار الوقت، وتيسير تبادل المستندات إلكترونياً، وإدارة الجلسات بكفاءة رقمية، كلها عوامل تسهم في تقليل التراكم وتسريع الإنجاز، وهذا بحد ذاته مكسب جوهري، لأن العدالة المتأخرة غالباً ما تكون عدالة منقوصة، أما عندما تعاد الحقوق إلى أصحابها في وقت معقول ترتفع الثقة بالقضاء ويتعزز الشعور بالأمان القانوني في المجتمع.

وليس خافياً أن القضاء يشكل أحد أعمدة البيئة الاستثمارية، فالمستثمر وهو ينظر إلى الحوافز والفرص، يبحث عن منظومة قضائية مستقرة سريعة وموثوقة، ومن هنا فإن اعتماد التقاضي عن بعد يمنح القضاء البحريني ميزة تنافسية جديدة، تعزز سمعته الإقليمية والدولية، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن مملكة البحرين لا تطور اقتصادها فقط، بل تطور مؤسساتها الضامنة لهذا الاقتصاد.

هذه الخطوة ليست معزولة عن تاريخ القضاء البحريني، الذي عرف بريادته في العديد من المبادرات الإصلاحية، وقدرته على التوازن بين الأصالة والتحديث، فالتقاضي عن بعد هو امتداد طبيعي لمسيرة طويلة من التطوير المؤسسي، تؤكد أن العدالة في البحرين كيان حي يتجدد دون أن يفقد روحه.

في المحصلة، فإن التقاضي عن بعد يمثل تعبيراً عن رؤية شاملة ترى في العدالة ركيزة للتنمية، وفي التكنولوجيا أداة لتعزيزها لا استبدالها، ومع كل خطوة من هذا النوع تقترب البحرين أكثر من نموذج قضائي حديث وكفء وعادل، يضع الإنسان وحقوقه في صميم الاهتمام، ويؤكد أن العدالة حين تتطور فإنها تترسخ.