أصبحت التكنولوجيا في الوقت الحالي جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، وامتد هذا التأثير إلى القضاء حيث لم يعد بمنأى عن هذا التغيير الرقمي. فلم تعد فكرة القاضي الروبوت مجرد طرح نظري، بل أصبحت موضوعاً مطروحاً في النقاشات القانونية والإعلامية حول العالم. الحديث هنا لا يقتصر على استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، بل يتجاوز ذلك إلى إمكانية أن يتولى دوراً قضائياً مباشراً في إصدار الأحكام، الأمر الذي يثير جدلاً واسعاً بين مؤيدين يرون أنه سيحقق مستقبل العدالة، ومعارضين يخشون أن تتحول العدالة إلى معادلات جامدة تخلو من روح القانون وتقدير القاضي البشري.

وبالحديث عن أهم إيجابيات تفعيل القاضي الروبوت، تبرز مميزاته في كونه رمزًا للحياد المطلق؛ فالروبوت لا يعرف العاطفة، ولا يتأثر بالضغوط الاجتماعية أو السياسية، مما يمنح قراراته طابعاً مجرداً من الانحياز. إضافة إلى ذلك، فإن قدرته على معالجة آلاف الملفات بسرعة قياسية قد تمثل حلاً لمعضلة تراكم القضايا وتأخر الأحكام، كما يتيح إمكانية مراجعة الأحكام عبر خوارزميات واضحة قابلة للتدقيق، مما يؤدي إلى تعزيز كفاءة النظام القضائي. أما من الجانب الاقتصادي، فإن الاعتماد على نظام رقمي سيقلل حتماً من النفقات الإدارية في الدولة.

لكن هذه الإيجابيات، رغم كونها قد تكون فعّالة إذا ما تم تطبيقها، إلا أن لها جانباً مظلماً يستدعي الوقوف عنده وقفة قانونية. فغياب البعد الإنساني يظل أكبر هاجس، كون الأحكام ليست مجرد نصوص جامدة تُطبق حرفياً على الأطراف، بل هي تقدير للظروف الإنسانية والاجتماعية التي قد يعجز الروبوت عن فهمها أو استيعابها مهما تم تدريبه عليها. يضاف إلى ذلك إشكالية هامة جداً وهي تحديد المسؤولية القانونية، فمن هي الجهة التي تتحمل تبعات الخطأ إذا أصدر القاضي الروبوت حكماً غير عادل؟ هل هي الشركة المطورة؟ أم المبرمج؟ أم النظام القضائي نفسه؟

لذلك، فإن هذا الموضوع يُعتبر قضية مركبة وتحدياً مباشراً لمبادئ العدالة التقليدية التي تقوم على التقدير الإنساني والسلطة الأخلاقية للقاضي. ولا يمكن التعامل معه بسطحية أو بمجرد انبهار بالتكنولوجيا في هذا المجال، بل يحتاج إلى دراسة قانونية معمقة للوقوف على آثاره المحتملة على النظام القضائي، وضمان أن يظل القضاء مؤسسة إنسانية في جوهرها، مدعومة بالتكنولوجيا لا مستبدلة بها.