ومشينا في شوارع سوق المنامة العتيق مستمتعين بنسمات الهواء العليل، ومطلع أغنية «دار الهوى دار» لم يغادر أسماعنا، نعم... «دار الهوى» في أزقة سوق المنامة العتيق ليحكي قصصاً وذكريات سعيدة عاشها أهل البحرين، شوارع تشهد بقصص نجاح آبائنا من رواد الأعمال الذين تحولوا لكبار التجار، وبات إنجازهم جزءاً من تاريخ البحرين، فهناك أول مجمع تجاري في البحرين وهو مجمع يتيم، والذي لا زال صامداً رغم منافسة المجمعات التجارية الجديدة، وهنا مطبعة المنامة التي طالما طبع الناس فيها بطاقات التهاني للعيدين، وبطاقات دعوات لحفلات زواجهم، وأعياد ميلاد أطفالهم، أما استديو المنامة، فقد شهد لحظات سعيدة للكثير من البحرينيين حين يلتقطون صوراً عائلية جماعية في الأعياد، والمناسبات الخاصة، ومن منا لا يذكر محل اليوسف «للبشوت» والعبايات، ومتجر يعقوبي، تلك المحلات التجارية التي بدأها أصحابها كمشاريع صغيرة، فصمدت وكبرت وأصبحت معلماً يزوره أبناء البحرين جيلاً بعد جيل.
نعم «هوى المنامة دار» في أزقة سوقها القديم الذي كان حاضنة للمشاريع الصغيرة لرواد الأعمال لتتحول اليوم لمعلم سياحي يضم محلاتهم التجارية، وتشهد ساحات سوق المنامة القديم بأجواء السوق النشط الذي هو مقصد أهل البحرين جميعاً، فنسيم هواء المنامة ينعشك وأنت تجلس في الساحة الشرقية بالسوق، وأصوات مأذنة مسجد الفاضل القديم تملأ ساحة الفاضل، وساحات حي صلاح الدين، وشارع آل خليفة، ولن ننسى ذاك المعلم الصامد وهو باب البحرين حيث كان يضم مكاتب إدارية لبعض الخدمات الإدارية الحكومية كالبريد والتوثيق العقاري «الطابو».
نعم.. هب «هوى المنامة» لينعش الذكريات، وأنت تتجول في متاحفها الصغيرة في متحف كانو، ومتحف بريد البحرين، ومتحف السيارات القديمة الذي يضم أقدم السيارات، فتستوقفك علامات تجارية لسيارات انقرضت من الشارع، وأجمل الذكريات تنتعش في ذاكرتك وأنت تراقب طباخ الحلوى البحرينية، وهو يمرجحها بعصاته الطويلة، وتتأمل علب الحلوى البحرينية القديمة معلقة على الجدران، متاحف تشهد أن المشاريع الصغيرة تصمد أمام الأعاصير.
نعم.. وعاد «هوى المنامة» ليجمع بين مشاريع صغيرة قديمة بنيت بسواعد الأجداد، ومشاريع صغيرة حديثة صيغت بيد شباب اليوم، فعندما تجول بين أكشاك «هوى المنامة» المحاذية لجدران المحلات التجارية القديمة، تجدها تضم مشاريع صغيرة لرواد أعمال شباب، فيكملون بذلك مسيرة الأجداد، فهناك استديو المنامة القديم الذي أحياه شاب بحريني احترف التصوير، وتساعده أخته التي تدير جلسات التصوير، وتلك الشابة الهادئة التي تقدم لك حلوى الحلقوم الذي صنعته بيدها، مع البسكويت المقرمش، ولن تخرج من سوق المنامة القديم الجديد، دون أن تشتري قطعة خشبية تذكارية، وقد حفر عليها عبارات لطيفة بالليز من كشك أحد الشباب البحرينيين، أما محلات بيع «التكة» البحرينية، فتعج بإبداعات الشباب فمنهم من حولها لشطائر «التكة» ومنهم من قدمها مع أصابع البطاطس، وتجد طابوراً طويلاً من الزوار ينتظر لقمة من مطبخ يقدم شرائح الرز المقرمشة التي عادة ما تكون أسفل قدر الأرز «الورية» تقدم بطريقة إبداعية، فهوى المنامة أحيا السوق القديم، وأنعش المشاريع الشبابية الحديثة. وكل عام وأنتم سالمين.