تظل تجربة الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- منارة ساطعة يسترشد بها من يسعى لفهم جوهر الإدارة، وخاصة في كتابه «حياة في الإدارة» الذي لم يقدم فيه نظريات جافة، بل قدم فلسفة قوامها أن الإدارة هي «فن التعامل مع البشر» قبل أن تكون لوائح وأنظمة، واليوم، ونحن نعيش عصر الذكاء الاصطناعي، تكتسب دروسه أهمية مضاعفة.

لقد تحول دور مدير الموارد البشرية من «شرطي الجوازات» الذي يراقب الحضور والانصراف، إلى شريك استراتيجي يساهم في صنع القرار. لم يعد الهدف مجرد ملء الشواغر، بل صناعة بيئة تحفز الإبداع. يذكرنا د. القصيبي دائماً بأن القائد الناجح هو من يثق بمرؤوسيه ويمنحهم الصلاحيات؛ وهذا هو صلب الإدارة الحديثة التي تسعى لتمكين الموظف لا تقييده.

ومع دخول الذكاء الاصطناعي عالم الموارد البشرية من خلال أتمتة التوظيف وتحليل البيانات الضخمة للتنبؤ بأداء الموظفين، ورغم هذه القوة التقنية، يبقى «الدرس القصيبي» حاضراً: الآلة تفتقر للحس الإنساني، واعتقد أنه لا زال الذكاء العاطفي هو الوحيد القادر على رصد «الشرارة» في عين المبدع، وهو ما كان يركز عليه القصيبي في لقاءاته الميدانية.

يشهد سوق العمل تحولاً جذرياً؛ حيث لم تعد الشهادة الجامعية هي المعيار الوحيد، بل أصبحت المهارات الناعمة «Soft Skills» والقدرة على التعلم المستمر هي العملة الجديدة. في «حياة في الإدارة»، نجد أن القصيبي كان يحارب البيروقراطية التي تقتل الطموح، وهو ما يحتاجه سوق العمل اليوم: مرونة عالية وتكيف مع التقنيات المتسارعة.

لقد أصبح إتقان هندسة الأوامر «Prompt Engineering» أحد المهارات المهمة التي يجب أن نتحلى بها جميعا، وبخاصة المسؤولين عن التطوير في الشركات، بمن فيهم مدير الموارد البشرية، بما يؤهله من استخدام هذه المهارة في صياغة سياسات عمل مرنة تتوافق مع القوانين الجديدة، تحليل تقييمات الأداء المعقدة واستخلاص ثغرات المهارات بدقة.

ومع زيادة الاعتماد على الآلات والخوارزميات، تزداد أهمية إضفاء لمسة إنسانية داخل المؤسسة، فنحن في النهاية بشر، تعلج في ذواتنا تفاعلات كيمائية مختلفة تؤثر على أمزجتنا وقراراتنا وحتى صحتنا.

إن إدارة الموارد البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي لا تعني الاستغناء عن البشر، بل تعني تحريرهم من المهام الرتيبة ليتفرغوا للابتكار، وكما تعلمنا من مدرسة غازي القصيبي، فإن الإدارة الناجحة هي التي تضع الإنسان أولاً وأخيراً، فالموهبة البشرية هي المورد الوحيد الذي لا يمكن للذكاء الاصطناعي استنساخه، على المدى المنظور على الأقل.