في كل مرحلة من مراحل الصراع في منطقتنا يبرز خطابٌ يعرف بتجارة الدماء، فيبدأ هذا الخطاب بسلسلة من المقارنات وترتيب الأولويات، وتُقدَّم هذه المقارنات في إطار أخلاقي يبدو متماسكاً في ظاهره، ثم تتحول تدريجياً إلى مساحة للمزايدة السياسية، حيث يصبح الدم الإنساني مادة في الجدل العام وساحة لتسجيل المواقف.
هذا الخطاب يظهر مع كل تهديد يطال مدينة عربية أو مجتمعاً في منطقتنا، وما إن يقع الحدث حتى يبدأ بعض الأصوات بفتح دفتر المقارنات، فيُستحضر اسم فلسطين، وتُذكر غزة، وتُعاد صور المآسي التي عرفتها بغداد ودمشق وصنعاء، ثم يتحول النقاش تدريجياً إلى سباق في ترتيب الأولويات.
فيخرج من يذكّر بدمٍ سُفك في غزة، ومن يفتح الحديث عن فلسطين كلما ذُكر أمن الخليج، ومن يضع أمام الناس معادلة توحي بأن القلق على مدن الخليج يجب أن ينتظر حتى تنتهي مآسي المنطقة الأخرى.
وفي هذا المناخ يتشكل خطاب كامل يربط المشاعر الإنسانية بحسابات السياسة، ويعرض القضايا في صورة جدول مقارنات بين غزة والخليج، وبين فلسطين والعواصم العربية الأخرى، فتتحول المآسي إلى درجات، ويصبح الدم مادة في ميزان المفاضلة، بينما تتراجع الفكرة البسيطة التي يعرفها الضمير الإنساني وهي أن الدم البريء يحمل الحرمة نفسها أينما سُفك.
يحمل هذا المنطق في داخله معضلة أخلاقية واضحة، فالقضية تدور حول قيمة الإنسان وحرمة دمه، وهي قيمة تتجاوز الجغرافيا والعناوين السياسية، والدم الذي يُسفك ظلماً في غزة يهز ضمير العربي أينما كان، والقلق الذي يرافق تهديد مدن الخليج بالصواريخ يصدر من الشعور الإنساني ذاته، والألم واحد حين يسقط طفل في فلسطين، والقلق نفسه يرافق كل بيت يشعر بظل الخطر فوق مدينته.
في المقابل يظهر خطاب يسعى إلى صياغة معادلة مختلفة، معادلة تربط التعاطف الإنساني بحسابات السياسة، وتعرض أمام الناس فكرة ترتيب القضايا وتوزيع المشاعر بين الجغرافيا والأحداث، في هذه اللحظة يتغير مسار النقاش، وتتحول المآسي من قضية إنسانية إلى ساحة للمزايدة، حيث يُطلب من المجتمع أن يختار بين التعاطف مع غزة أو الاهتمام بأمن الخليج، وتدخل الدماء إلى سوق الخطاب السياسي.
المسألة في جوهرها أقرب إلى البساطة من كل هذه الحسابات الطويلة، فالدم العربي يحمل الكرامة ذاتها أينما سُفك، والإنسان البريء يملك القيمة نفسها في كل أرض، فمن يسقط ضحية عدوان في غزة إنسان يستحق تضامناً كاملاً، ومن يعيش في مدينة خليجية تلامسها تهديدات الصواريخ إنسان يستحق أمناً كاملاً.
المعادلة الأخلاقية تنطلق من فكرة واضحة وهي أن صون حياة الإنسان قيمة راسخة، وأمن المدن العربية مسؤولية تتجاوز حدود الجغرافيا وتفاصيل السياسة، وعند هذه النقطة تحديداً يبدأ الخلل في الخطاب الذي يحوّل الدم إلى مادة في الجدل العام، ويضع بين مأساة وأخرى ميزاناً للمفاضلة، هنا يبدأ طريق تجارة الدماء.