يوسف الجنيد

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: «وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً، قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ، فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»، سورة الأعراف: الآية 85.

في عام 1906، أسّست الولايات المتحدة الأمريكية هيئة الغذاء والدواء «FDA»، لتكون أولى المؤسسات الرسمية في التاريخ الحديث المعنيّة بحماية المستهلك وضبط الموازين والمقاييس. وتتابعت بعدها المؤسسات: فجاءت هيئة المواصفات والمقاييس السعودية «ساسو - SASO»

عام 1972 لتوحيد معايير الجودة في المملكة، ثم هيئة المواصفات والمقاييس لدول مجلس التعاون الخليجي «GSO» عام 1982 لتوحيد الاشتراطات على مستوى دول الخليج العربي، وصولاً إلى هيئة الغذاء والدواء السعودية عام 2003. غير أن ما يستوقف المتأمل في كل هذا أن نبياً كريماً نادى بهذه القيم ذاتها قبل أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام.

فالنبي شعيب عليه السلام لم يكن مجرد داعية إلى التوحيد، بل كان مؤسّساً لمنظومة أخلاقية اقتصادية متكاملة. آيةٌ واحدة جمعت ما نحتاج اليوم إلى هيئات ووزارات وتشريعات لتحقيقه: العبادة الخالصة مرجعيةً عليا، والكيل الوافي حمايةً للمستهلك، وعدم البخس صوناً لحقوق الناس، وعدم الإفساد في الأرض استدامةً للموارد.والأمر لا يقتصر على سيدنا شعيب عليه السلام وحده. فقد أرسل الله أنبياءه ورسله في أزمنة متتالية ومتباعدة، لا عبثاً ولا تكراراً، بل ليراكم كلٌّ منهم لبنةً في صرح القيم الإنسانية. فنوح عليه السلام جاء بقيمة الثبات على الحق في وجه الطغيان. وإبراهيم عليه السلام أرسى مبدأ التوحيد الخالص. وموسى عليه السلام جاء بالشريعة والنظام. وعيسى عليه السلام حمل لواء الرحمة وتزكية النفس. وجاؤوا جميعاً متفقين على ثلاثة أصول لا تتبدّل: وحدانية الله، والإيمان باليوم الآخر، والعمل الصالح في هذه الدنيا.

ثم جاء خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم ليتمّم ما بدأه إخوانه الأنبياء، فأعلنها صريحة: «من غشّنا فليس منّا»، ووضع بذلك أعلى معايير حماية المستهلك قبل أن تعرف البشرية هذا المصطلح بأربعة عشر قرناً.

واليوم، حين تُلزم الدول المنتجين بكتابة الأوزان والمقاييس على عبوات منتجاتهم، وحين تُغرّم الشركات على الغش والتدليس، وحين تتحد دول الخليج العربي تحت مظلة GSO لتوحيد معاييرها، فإنها لا تفعل سوى أن تلحق، بعد آلاف السنين، بركبٍ سبقها إليه رجلٌ وقف في صحراء مدين ونادى: أوفوا الكيل والميزان.

الفرق الوحيد أن شعيباً عليه السلام ربط الميزانَ بالسماء، فجعل الأمانة في البيع والشراء عبادةً، والغشَّ فساداً في الأرض. أما نحن، فما زلنا نبحث عن رادع.. «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ».