تابعتُ باهتمام بالغ إعلان النيابة العامة لإحصائياتها السنوية للعام 2025، وهي أرقام لا يجوز النظر إليها بوصفها بيانات رقمية مجردة، بل باعتبارها مرآة تعكس واقع المجتمع، ومؤشراً حقيقياً على فاعلية منظومة العدالة الجنائية، ودور النيابة العامة في حماية الوطن وصون سيادة القانون.

فقد استلمت النيابة العامة خلال عام 2025 ما يقارب 60 ألف قضية، مقارنة بنحو 58 ألف قضية في عام 2024، بارتفاع طفيف يمكن تفسيره بجملة من العوامل، من بينها الزيادة السكانية، واتساع سوق العمل، ودخول أعداد أكبر من العمالة الأجنبية. ورغم أن الإحصاءات لم تفصل بين القضايا المرتكبة من المواطنين أو الأجانب، إلا أن تركز القضايا في العاصمة – بوصفها الأكثر استقطاباً للعمالة – بواقع يقارب 17 ألف قضية، يظل دلالة تستحق الدراسة والتحليل من الجهات المختصة.

ومن الأرقام اللافتة أيضاً تسجيل ما يقارب 10 آلاف قضية لدى نيابة الوزارات والجهات العامة، وهو رقم يعكس حساسية هذا النوع من القضايا، لارتباطه المباشر بحماية المال العام، ومواجهة أي صور للفساد أو الاعتداء على موارد الدولة، بما يؤكد الدور المحوري للنيابة العامة كحارس للمصلحة العامة وضامن لنزاهة العمل المؤسسي.

كما سجلت نيابة الجرائم الإلكترونية قرابة 10 آلاف قضية، في تأكيد واضح على أن الجريمة لم تعد محصورة في صورتها التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث بات الهاتف الذكي مسرحاً جديداً للجريمة، وأصبحت الجرائم الإلكترونية من أبرز التحديات القانونية في العصر الحديث، بما تتطلبه من أدوات تحقيق متطورة وكفاءات متخصصة.

وتتلاقى مع هذا المشهد قضايا الجرائم المالية وغسل الأموال، حيث أُحيلت 40 قضية إلى المحاكم، تنوعت بين التهرب الضريبي وغسل الأموال والفساد. غير أن الأهم هنا هو حجم الأموال المصادرة والغرامات والمبالغ المستردة، إذ تجاوزت المصادرات 7 ملايين دينار، وبلغت الغرامات أكثر من 1.5 مليون دينار، فيما قارب الاسترداد 7 ملايين دينار، وهي أرقام تعكس يقظة النيابة العامة وصرامتها في حماية الاقتصاد الوطني وتجفيف منابع الجريمة المنظمة.

ورغم هذه التحديات، تبقى مملكة البحرين – ولله الحمد – نموذجاً في الأمن والاستقرار، ولا تشهد أنماط الجرائم العنيفة المنتشرة في مجتمعات أخرى، بفضل تماسك المجتمع، ووعي أفراده، وفاعلية مؤسساته العدلية، وفي مقدمتها النيابة العامة التي تمسك بميزان العدالة بحكمة وحزم.

وفي الختام، أتقدم بالشكر والتقدير إلى سعادة الدكتور علي بن فضل البوعينين النائب العام، على ما تضمنته هذه الإحصاءات من شفافية ومعلومات بالغة الأهمية، لا تقف عند حدود العرض، بل تشكل أساساً معرفياً يستوجب من المختصين والباحثين دراستها بعمق، واستخلاص توصيات عملية تسهم في تعزيز أمن المجتمع، وتطوير السياسات الجنائية، واستدامة الاستقرار الوطني.

ونسأل الله أن يديم على وطننا نعمة الأمن، وأن يحفظ مملكة البحرين بقيادتها ومؤسساتها، وفي مقدمتها وزارة الداخلية والنيابة العامة، حصناً راسخاً للعدالة، وركيزة أساسية في حماية الوطن وسيادة القانون.

* قبطان - رئيس تحرير صحيفة «ديلي تربيون» الإنجليزية