عندما كنا في المدرسة، كنا ندرس مواد التاريخ والجغرافيا وكأننا في عالم آخر، دروس مليئة بالمعلومات النظرية عن الحضارات والمعارك والمعالم التاريخية والمناخ والحدود بين الدول والكثير من المعلومات التي حفظناها عن ظهر قلب، وتبقى فجوة معرفية تفصلنا بين الحقيقة والصورة الخيالية التي نسجناها في طفولتنا عن الواقع النظري الذي عشناه أيام الدراسة، هي مرحلة تعليمية كفيلة بأن نسردها عن ظهر قلب ولربما من غير وعي من كم المعلومات التي تمركزت في ذاكرتنا التعليمية، بالرغم من أننا في تلك الفترة لم يحالف الكثيرين الحظ زيارة بعض الأماكن التي عشناها في دروس التاريخ والجغرافيا.

الحضارات القديمة مثل الحضارة الفرعونية والمدن التاريخية في روما ورأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا ومضيق هرمز وقمة إفرست وشعب الفايكنغ في الدول الإسكندنافية والحياة في القطب الجنوبي وغابات الأمازون في أمريكا الجنوبية والكثير التي درسنا عنها كانت صور مثالية تنقصها حقيقة ما تعلمنه في تجربة الزيارة، لأنها في فترة ما كانت صعبة المنال بالنسبة إلى الكثيرين، وكانت تشكل تحدياً كبيراً في ذلك الوقت عند الغالبية، من أهم هذه التحديات هو الجانب المالي وتكاليف السفر المرتفعة خاصة الدول البعيدة وكذلك جانب التنقل المتمثلة في الطائرات المباشرة للوصول إلى الوجهات والبنية التحتية، بالإضافة إلى التحديات المتعلقة بالأمن والسلامة التي بالتأكيد تؤثر على خيارات السفر، فهذه التحديات تسهم في خلق فجوة بين المعرفة النظرية والتجربة المباشرة، وفضول الكثيرين لزيارة تلك المعالم تشكل تحدياً كبيراً لمحبي السفر والاستكشاف واستحضار ثقافة الشعوب كتأكيد على ما تعلمناه في المدارس.

ولكن عندما سنحت الفرصة للسفر وأصبح السفر جانباً أساسياً في جودة الحياة تغير كل شيء، فزيارة تلك الإمكان والمعالم التي درسناها في المدرسة كانت تجربة انتقالية من الجانب النظري إلى الجانب الملموس والواقع؛ مما جعلت تلك الدروس التي كانت تقيّم بالدرجات في نهاية العام أكثر حيوية واستحضاراً للمعلومات لأنها أصبحت جزءاً من حياتنا ومحيطنا وأكثر عمقاً وواقعية، وهذا ما يجعلنا نفكر ملياً بأن تمتد دروسنا إلى رحلات واكتشاف للعالم الخارجي لتكون تجربة فريدة لا تنسى تشكل هويتنا الإنسانية وتأملاتنا للعالم وللشعوب من حولنا، ولكن لا تزال بعض الوجهات بعيدة المنال في وقتنا الراهن لأسباب كثيرة من أهمها الجانب المالي وقلة منافسة مكاتب السفريات لبعض الوجهات، فربما تحديات السفر التي نواجهها اليوم تكون خطوة تمهيدية لمستقبل أكثر سهولة ويسر للسفر واكتشاف ما تعلمناه من دروس على أعتاب حصص التاريخ والجغرافيا.