ذهبت منذ أيام لزيارة صديقتي التي عادت من مكة المكرمة بعد انتهائها من أداء مناسك العمرة، استقبلتني بفرح وباتت تحكي لي بشغف عن تلك الرحلة الروحانية التي عاشتها، وإن كانت مجرد أيام معدودة إلا أنها «رحلة العمر» كما وصفتها.
وفي أثناء حديثها قالت «الحمد لله كنت خائفة أن أموت قبل أن أمسح ذنوبي» لم تمر تلك الجملة على عقلي مرور الكرام، ماذا يعني أننا نمسح ذنوبنا قبل الموت؟ لم نظن أننا عندما نؤدي أحد المناسك الدينية أو نتقرب من الله أكثر فإننا بذلك نمسح ذنوبنا؟
يعيش أغلب الناس حياتهم بقاعدة «إننا سنفعل ما نريد وقتما نريد وكيفما نريد، وقبل أن الموت سنمسح ذنوبنا»، هذا المبدأ يسري بشكل كبير في المجتمع على اختلاف طبقاتهم، وكأن الحياة تحولت إلى قصة أو رواية بطلها شاب أحمق لا يبالي وعندما يشيب يهرع لتأدية بعض المناسك في محاولة لمسح أخطائه، فيصبح الجزء الأخير من روايته أشد إيلاماً من تلك الحياة اللامبالية التي عاشها.
نُسيء فهم مفهوم الحياة والتجارب والمواقف التي نتعرّض لها، نسمح لأنفسنا بالطغيان ونتمادى في جبروتنا ولا نبالي لأننا عرفنا السر الذي يسمح لنا بتجاوز كل الخطوط، عرفنا السبيل لمسح كل تلك الأخطاء، وجدنا الممحاة السحرية التي ستمسح تلك المعاناة التي سببناها لغيرنا من الناس، ستمسح سوء أخلاقنا، جرائمنا وعقوقنا وتطاولنا على الناس، هذه الممحاة السحرية سأبقيها في خزانتي ولاحقاً سأخرجها وأمسح بها ما قمت به وأعود إلى الله طاهراً نقياً.
ذلك الرجل الذي قضى حياته يسيء إلى زوجته وأبنائه، عنف تعدٍّ وحرمان من أبسط الحقوق، مازال يدّخر أمواله التي حرّمها على عائلته ليسافر بها في رحلة مسح الأخطاء، وتلك السيدة التي لم يسلم من لسانها القريب والبعيد، نعم تلك التي استباحت أعراض الناس وتمادت في نشر الأقاويل واختلاق القصص وتشويه السمعة أيضاً مازالت تدّخر أموالها لتلك الرحلة، الفتاة الشابة التي اجتهدت في العبث بعقول الناس وتدمير العلاقات هي أيضاً سجّلت اسمها في الرحلة القادمة، بجانب الرجل الذي عاث في عملة فساداً وتسبّب في قطع أرزاق الناس وسرق وكذب هو أيضاً معهم في الرحلة.
يعيش الناس حياتهم في طريق مليء بالعثرات، وباختلاف وجاهتهم يعرفون أن كل الطرق، وإن اختلفت، تؤدي في النهاية إلى الله. لسنا ضد التوبة، لسنا ضد أن يعود الإنسان نادماً إلى الله ليتخلص من تلك الذنوب، ولكن ضد أن يتمادى الناس في الأخطاء ظناً منهم أن رحلة دينية ستمسحها فيعودون منها أكثر طغياناً وظلماً، يعودون معتقدين أنهم سيعاودون كتابة القصة بنفس السوء إن لم يكن أسوأ، لم لا؟
هذه الصفحة ستُمحى لاحقاً، متى سنفهم أننا لم نخلق في هذه الأرض لنعيث فيها فساداً؟ متى سنفهم أن التوبة لا تعني أن أؤدي المناسك بهدف العودة لتكرار نفس التصرفات، ألم يفكر هؤلاء يوماً أن العمر بيد الله وحده وأنه قد يموت في أي لحظة؟ ماذا سيحدث إذاً عندما يموت وهو لم يمسح ذنوبه بعد؟