في غالب الأحيان أتذكّر عطاءات الحياة، وأجد نفسي مضطراً أن أُعيد على نفسي أولاً، قبل الآخرين، كل ما تعلّمته، وكل أثر تركته، وأن أُجدّد نيّتي لله تعالى، وأن أُطهّر الإخلاص من كل ما يشوبه من شوائب الدنيا الزائلة. يُحدّثني البعض، بدافع الاستغراب، بأن هناك بعض المفاهيم التي أُجدّد الحديث عنها في سطور مقالاتي، فأُحدّثهم بأنه حديث القلب إلى القلب، وحديث المُحبّ إلى أحبابه، وحديث قلبٍ يحب أن يرتوي بعطاءات الخير، وأن يسير في مسير الخير الموصِل إلى الفردوس الأعلى.

أحيانًا تكون هناك كلمات تكتبها ولا تحتاج إلى أي تفسير، وهناك كلمات أخرى قد تُعيدها في مقالاتك، لإيمانك العميق بأن هناك من يحب أن يقرأ سطورك، وقد يتأثّر بالقيم التي كتبتها. فجميعها تتحدّث عن «الخير الذي يبقى»، وعن الأثر الذي تتركه في دنيا البشر. بالأمس أرسل لي أحد الزملاء عبر الواتساب صورة (كتيّب الأدعية)، وكتب تحتها: (أثر). أحياناً قد لا تحتاج إلى كثير من الكلام، بقدر ما تحتاج أن تجبر خاطر من أحببت زمالتهم في مسير الأثر، بكلمة واحدة مُعبّرة، تُرسل له رسالة قلبية مفادها أننا سائرون معك على طريق الخير الذي يبقى. فهنيئاً لمن اختار هذا الدرب.

أستذكر في هذا الإطار قول المولى الكريم في سورة الأعلى: «وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى»، وورد في شرحها: «ثواب الله تعالى في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنيّة فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريباً، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟». هكذا هو الخير الذي يبقى؛ يبقى للمؤمن في صحفه، وسيرى أثره عندما ينتقل إلى محطة أخرى غير التي يعيشها اليوم، وهي محطة البرزخ، ومن بعدها أهوال الآخرة. إنها الدار الآخرة التي هي خير من الدنيا الفانية؛ ففيها الحساب والثواب والعقاب، وفيها نتائج كل ما عملناه في هذه الدنيا. فعجبي لامرئ ما زال يتهاون في عبادته لربه، فيترك صلاته واستئناسه بالمسجد، باحثاً عن ملذّات الدنيا، وعجبي ممن يهرول عبثاً إلى تلك المساحات العابثة، يتمايل فيها جسداً باحثاً عن نغمات تزول بزوال فترتها، غير أن نتائجها لا تُسجَّل إيجاباً في السجل الخالد، بل قد تُسجَّل إثماً، ولربما أفضت بك تلك المساحات إلى صور مشينة، تتحسّر عليها عاجلاً أم آجلاً.

لقد خُلقنا لنكون في “مساحات الخير”، ولنؤدّي خلافة المولى الكريم في هذه الأرض بإتقان، ونكون خير خلفاء لإيصال رسالة الخير في الحياة. نُمحّص ونُختبر في كل حين، وأرزاقنا وأقدارنا وأعمارنا مكتوبة ونحن في بطون أمهاتنا، غير أن السر العجيب في حكاية الحياة أن تسير وتختار دربك بنفسك. حينها لا يغرنّك الشيطان؛ فهو يتلذّذ بإغوائك، ويتلذّذ بأن يراك تائهاً ضائعاً، بقلبٍ خاوٍ من الإيمان، وبنفسٍ لا تتعطّش للخير، وبخطواتٍ لا تسير إلى محطات الخير، ولا إلى بيوت الرحمن، ولا إلى عمرةٍ أو حج، بل تتجه إلى متع دنيوية، إن أمعنت النظر فيها وجدتها خاوية من أجور الآخرة، وبعيدة عن استحضار معنى «والآخرة خير وأبقى».

في بعض المساحات التي تطأ قدمك فيها، تجد صنوفاً من الناس همّهم الاصطياد في الماء العكر، وتعكير صفو المودة والوئام، والتلذّذ بالمصادمات والتسخّط على الأوضاع. وإن منحتهم فرصة العطاء والبذل في مجالات الخير، تراهم أول الناس سلبية، بلا مبادرة، ولا حتى أدنى إحساس بالشكر والامتنان، فغالباً ما ينظرون إلى إنجازات غيرهم «بعين الذبابة». أستحضر هنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم القائل: «يُبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع أو الجِذل في عينه معترضاً». والقذاة هي ما يقع في العين أو الماء أو الشراب من نحو ترابٍ وأوساخ. وهنا يُستغرب انشغال المرء بعيوب غيره، بدلاً من انشغاله بعيوب نفسه، وهو تحذير نبّه إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه الصنوف تراها تراجع الخطوط والألوان خطاً خطاً، ولوناً لوناً، في حين تغافلت، بل وصدّت أنظارها، عن النتيجة النهائية الجميلة التي يفخر بها الآخرون. ولعلّنا في بعض الأحيان نكون «طيّبين أكثر من اللازم»، كما يُقال، غير أننا لا نُدرك أن المرء أحياناً عليه أن يضع حداً لمثل هذه الصنوف من البشر، وأن يُقدّم مصلحة «الخير» على أن يكون ماسحاً على رؤوس الناس أكثر من اللزوم. نحتاج إلى أن نكون منصفين مع أنفسنا، وألا ننجرف وراء المهاترات المضيّعة للأوقات.

هناك بعض المعتقدات السلبية التي يحاول بعض الشباب أن ينثر سمومها في محيطه، والمتعلّقة بالتخويف من الزواج، والتخويف من الذرية، بحجة «صعوبة الحياة»، والتساؤل عن كيفية تأسيس بنيان الزواج، وكيفية الإنفاق على الأبناء. حقًّا، يؤلم القلب أن تنتشر مثل هذه المفاهيم المغلوطة في أمرٍ بارك الله فيه وجعل فيه الخير الكثير. قال تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»، وقال تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً».

وقال عمر رضي الله عنه: «من دعاك إلى غير الزواج فقد دعاك إلى غير الإسلام». وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حقّ على الله عونهم، وذكر منهم: المتزوّج يريد العفاف». فالزواج سكينة ومودة ورحمة، وهو باب من أبواب الأرزاق، وامتداد لنسل الذرية. اللهم يسّر أمور الزواج لشبابنا، وارزقهم الزوجة الصالحة، والذرية الصالحة.

ومضة أملاللهم بلّغنا شهر رمضان على خير، ونحن في صحةٍ وعافية، وسعة رزق، وطول عمر، نحن وأزواجنا وذرياتنا وأهلينا وأحبابنا ومحبّينا، وأعنّا فيه على ما يرضيك عنا. اللهم آمين.